وأول خلاف نشب ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى لم يدفن (أمات رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ أم لم يمت؟) .
وهذا أول خلاف وقع في هذه الأمة بعد وفاة رسول الله مصداقًا لقوله: (( أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ) )، روي البخاري [1] من حديث ابن عقيل عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة _ عليها رضوان الله تعالى _ قالت: (توفي رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وجاء أبو بكر من داره، فدخل مسجد رسول الله ولم يحدث أحدًا حتى دخل داري، فجاء لرسول الله ويممه وهو مُغَشَّى بثوب حِبرة فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبله وبكى، فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد متها) .
قال الزهري رحمه الله: حدثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فأمره أن يجلس فأبى، فأقبل الناس إلى أبي بكر الصديق، وتركوا عمر، فقام أبو بكر فيهم فقال: (أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله _ عز وجل _(( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ) [آل عمران: 144] .
قال عبد الله بن عباس: (والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إلا لما تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها) .
روى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (والله لما سمعتها من أبي بكر حتى ما تقلني رجلاي، وحتى اهتويت إلى الأرض، حتى سمعته تلاها علمت أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قد مات) .
وفي هذا أن أهل العلم مهما بلغوا بالعلم بوحي الله، أنهم في حال الفتنة واضطراب الزمن، وما يحدث من نوازل، قد يغيب عنهم من الدلائل والحجج الظاهرة ما يغيب عنهم، كما غاب عن عمر بن الخطاب تلك البينة الظاهرة من كلام الله، وعَلِمَ أعلم الناس بعد رسول الله _ صلى الله عليه وسم _ من الأمة أبو بكر، وحينئذ يلتمس لمن غاب عنه الدليل العذر، كما عذر عمر بن
(1) ـ برقم: (4452) و (4453) .