فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 17

وفي الحديث الآخر: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ) [1] .

لما كانت هذه الفرص من الشباب والصحة والفراغ والغنى والحياة كلها تفوت بمرور الزمن عبَّر عن كيفية الحرص عليها واستغلالها بالاغتنام فقال: (( اغتنم ) )أي قبل فواتها ثم ذكرها فقال: (( شبابك قبل هرمك... ) )الحديث.

والإنسان في فترة الشباب طاقاته وإمكاناته وافرة من ذكاءٍ وقدرةٍ على الحفظ، وصبرٍ على الأعمال، وقوةٍ في البدن يستطيع أن يزاول كثيرًا من الأعمال، وإذا ضعف الإنسان ورقَّت عظامه فإنه يعجز عن كثيرٍ مما يريد أن يعمله، بل لربما منعه أقرب الناس إليه؛ فإنه إذا أراد أن يصوم حالوا بينه وبين الصيام رفقًا وشفقة، وإذا أراد أن يحج أو يعتمر حالوا بينه وبين ذلك، وهكذا في سائر الأعمال، فالشباب هو وقت للعمل يستثمر في طاعة الله -تبارك وتعالى-، وبناء النفوس، يستعمل في الارتقاء والتربية والتهذيب والتشذيب لهذه النفس، وإذا بلغ الإنسان من العمر عتيًا فإنه يصعب استصلاح ما اعوج منه بعد ذلك.

(( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) )، ومثل هذا الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ) ) [2] ، والغبن أصله يكون في التجارات، ولكن الغبن في هذه المعاني أعظم من الغبن في التجارة؛ لأن الغبن في التجارة يمكن أن يعوض، يمكن أن يربح الإنسان ثانيةً بعد أن خسر، ولكن الغبن في الزمان، الغبن في العمر، لا يمكن أن يستدرك.

(1) - رواه الحاكم في مستدركه (ج 4/ ص 341) وابن أبي شيبة في مصنفه (ج 7/ ص 77) والبيهقي في شعبه (ج 7/ ص 263) ، وصححه الألباني برقم (1077) في صحيح الجامع.

(2) - رواه البخاري في كتاب الرقاق - باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة حديث رقم (6049) (ج 5 / ص 2357) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت