هذا الإنسان الذي عاش ستين سنة في تفريطٍ وتضييعٍ وغفلةٍ وإعراضٍ وإهمال، ثم منَّ الله -عز وجل- عليه عليه بعد ذلك برجوعٍ إليه، وتوبةٍ وصلاح حال، ثم بدأ يتعبّد ويتقرب إلى الله -عز وجل- على ضعفٍ وعجز خمس سنين أو عشر سنين، كم ضيع من العمر؟ وكم استثمر من العمر؟
فنحن حينما نغتنم اللحظات والأنفاس والثواني فإننا بذلك نكتنز أرصدةً عند الله -تبارك وتعالى-، نتقرب بها إليه، ونسمو ونرتفع في درجات العبودية.
وهذا الحديث -حديث النعمتين اللتين ذكرهما النبي -صلى الله علي وسلم- وهما الصحة والفراغ، إنما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لمعنىً كبير، وهو أن الإنسان إذا كان مشغولًا، وإن كان صحيحًا فإنه لا يستطيع أن يستوفي كثيرًا من شهواته، وأن يفعل كثيرًا من مرغوباته، وإذا كان الإنسان فارغًا، ولكنه يصارع المرض فالمرض يقعده ويحجزه عن شهواته؛ لأنه لا يميل إليها عادةً، وإنما هو مشغول بمرضه، أما إذا اجتمع هذا وهذا -الصحة والفراغ- فقد استحكمت أسباب الغفلة والضياع إلا من رحمه الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الإنسان إذا كان فارغًا وصحيحًا فهو قوي وافر الشهوة، وعنده متسع من الوقت، والنفس طاقة إذا ما شغلت بطاعة فإنها تشغل صاحبها بالمعصية.
فهذه الأمور وغيرها تستوجب العناية بهذا المعنى الكبير؛ ذلك أن الأوقات هي الأعمار وهي مادة الحياة الأبدية السرمدية، كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: هي مادة البقاء في النعيم المقيم، والخلود هو البقاء الدائم في زمنٍ لا يتقضّى، والخلود في النار، هو بقاء في السعير والألم والشدة والمعاناة والعقوبة في الأزمان المتطاولة التي لا تنقطع.