بعد كل الذي قدمناه -والحمد لله- يتبين بوضوح تام أن فكرة (خمس المكاسب) من ناحية ثم إعطاء هذا (الخمس) إلى الفقيه من ناحية أخرى لا دليل عليها من الشرع ولا مستند لها إلا المتشابه والمتشابه المحض!
فليس هناك إلا نص قرآني واحد، ورد فيه لفظ (الخمس) اللفظ فقط!، أما موضوعه ومعناه أو مضمونه ومحتواه فشيء آخر لا علاقة له به، هو خمس الغنائم التي تؤخذ من محاربي الكفار في ساحة القتال.
تعضية النصوص:-
اتبع مع هذا النص القرآني الجليل أسلوب التعضية والتقطيع الذي نهى الله تعالى عنه فقال: (( كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) ) [الحجر:90] * (( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) ) [الحجر:91] .
أي: جعلوه أجزاء أو أعضاء متفرقة أصلها من: عضيَّت الشيء تعضية أي: فرقته وجعلته أعضاء وأجزاء ممزقة ومقطعة ومفصولة العلاقة ببعضها، حتى يسهل حملها على المراد وعلى الإيمان ببعض والكفر ببعض، وحينذاك يكون من فَعل هذا كاذبًا ومدعيًا زورًا على الله وكتابه فإنك لو تلوت قوله تعالى: (( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ) ) [الأنعام:131] وسكتّ ولم تكمل الآية، صار المعنى أن الله لا يهلك القرى الظالمة أما إذا أكملت وأضفت إليها: (( وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) ) [الأنعام:131] تغير المعنى إلى الضد تمامًا، وكان المعنى الأول كذبًا بل النص نفسه لا يصح نسبته إلى الله ومن فعل ذلك فقد افترى عليه مع أنك جئت به من القرآن نفسه، وهكذا لو قرأت قوله تعالى: (( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ) ) [الماعون:4] ولم تكمل.
وتأمل دقة لفظ (عضين) فإنه جمع عِضَة والعضة لها معنيان:
الأول: عضة وأصلها عِضوة أي: جزء.
والثاني: عضة التي أصلها العضة وهو الكذب والبهتان يقال: عَضَهَه عضها أي: رماه بالكذب [1] .
(1) صفوة البيان لمعاني القرآن..