وقد أقام الله عز وجل هذه الموعظة العظيمة التي مَنْ أخذها بجميع مقوماتها فلابد أن يصل إلى الحق ؛ وهو في الآية:كون النبي- صلى الله عليه وسلم - رسولًا من عند الله عز وجل ،ونذيرًا لهم بين يدي عذاب شديد، وليس كما يزعمون ويرددون دون وعي ولا نظر بأنه ساحر أو كاذب أو مجنون (( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) ) [سبأ:46] .
ولكي يحصل الانتفاع بهذه الموعظة العظيمة فلابد من الأخذ بجميع المقومات التي قامت عليها هذه الموعظة ، وهي:
* القيام لله تعالى: (( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ) )، والتجرد في طلب الحق.
* مراجعة النفس والخلوة بها أو مع شخص ثانٍ: (( مَثْنَى وَفُرَادَى ) ).
* التفكر فيما يقوله المخالف: (( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) ).
وتظهر أهمية هذه المقومات في كلام علماء التفسير رحمهم الله تعالى.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير- حول قوله تعالى: (( إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ) ):
(( أي أحذركم بواحدة،وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه،وأوصيكم بخصلة واحدة؛وهي: (( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ) ). وهذا تفسير للخصلة الواحدة أو بدل منها ، أي هي: قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين ؛ اثنين اثنين ، وواحدًا واحدًا ؛ لأن الاجتماع يشوش الفكر.
وليس المراد القيام على الرجلين بل المراد القيام لطلب الحق وإصداق الفكر فيه؛ (( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) )في أمر النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وما جاء به من الكتاب ، فإنكم عند ذلك تعلمون أن (( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) )؛وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمدًا مجنون.
فقال لهم: اعتبروا أمري بواحدة ؛وهي أن تقوموا لله وفي ذاته مجتمعين ومتفرقين ، فيقول الرجل لصاحبه:هلم فلنصدق ، هل رأينا بهذا الرجل من جنة ـ أي جنون ـ أو جربنا عليه كذبًا ؟.