فهرس الكتاب
قلت: فإن صح هذا الحديث فليس فيه دليل واضح على أن شرط القصر السفر المباح، والظاهر أن الصحابي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تاجر ويذهب إلى البحرين فأمره أن يصلي ركعتين، وهل يظن ظان أن أحدًا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا رسول الله إني أسافر لقطع الطريق أصلي ركعتين أم أربع؟ لكان منعه رسول الله من السفر أصلًا، ولو افترضنا أن أحدًا سافر لقطع الطريق أو غيره أنقول له: أترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة المتواترة ولا تصلي ركعتين وصلي أربعًا، أو لو افترضنا أن احدًا سافر للتجارة وكان يصلي ركعتين فطرأ عليه أمر ما ولم يتجار، وعصى الله سبحانه وتعالى بأمر ما، هل يبدأ بالتربيع لأنه لم يتاجر وعصى الله سبحانه وتعالى. فالسفر هو السفر، والسنّة هي السنّة.
وأقول: والحديث نفسه دليل عليهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخير السائل أن يصلي ركعتين إن شاء وإن شاء أربع. بل أمره أمرًا واضحًا بأن يصلي ركعتين... والرحمن تعالى ذكره أعلم.
قال ابن تيمية رحمه الله: والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر ولم يخص سفرًا من سفر وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ، [1] كما قال تعالى في آية التيمم: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) . [2] وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم ينقل قط احد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص سفر من سفر مع علمه بأن السفر يكون حرامًا ومباحًا، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بين ذلك لنقلته الأمة ما علمت عن الصحابة في ذلك شيئًا. [3]
الفرق بين السفر الطويل والقصير
(1) سورة البقرة/ 184.
(2) سورة النساء/43.
(3) مجموعة الرسال والمسائل/ 295.