الصفحة 45 من 102

قال ابن تيمية رحمه الله: نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من يومه إلى مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من روايات عنه، ويؤيد ذلك أن ابن عباس لا يخفى عليه أن أهل نكة كانوا يقصرون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكروعمر في الحج إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى، وابن عباس من أعلم الناس بالسنة فلا يخفى عليه مثل ذلك وأصحابه المكيون كانوا يقصرون من الحج إلى عرفة ومزدلفة كطاوس وغيره، وابن عيينة نفسه الذي روى هذا الأثر عن ابن عباس كان يقصر إلى عرفة في الحج.

وهذه حجة قاطعة فإنه من المعلوم ان أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقًا كثيرا، وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه، وإنما صلى بمنى أيام منى قصرًا، والناس كلهم يصلون خلفه، أهل مكة وسائر المسلمين، ولم يأمر أحدا منهم أن يتم صلاته، ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. أ هـ. [1]

وقال رحمه الله: وقد ذكر ابن حزم أنها إثنان وثلاثون ميلا، وغيره يقول أربعة برد ثمانية وأربعون ميلا، والذين حددوها ثمانية وأربعون ميلًا عمدتهم قول ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك فلو لم يكن إلا قولها لم يجز أن يأخذ ببعض أقوالهما دون بعض، بل إما أن يجمع بينهما وإما أن يطلب دليل آخر، فكيف عن الصحابة أنواع أخر؟ ولهذا كان المحددون بسة عشر فرسخا من أصحاب مالك والشافعي وأحمد إنما لهم طريقان، بعضهم يقول: لم أجد أحدًا قال بأقل من القصر فيما دون هذا فيكون هذا إجماعًا، وهذه طريقة الشافعي، وهذا أيظًا منقول عن الليث بن سعد. فهذان الإمامان بيّنا عذرهما أنهما لا يعلما من قالبأقل من ذلك، وغيرهما قد علم من قال بأقل من ذلك. [2]

(1) مجموعة الرسائل والمسائل: 1/278.

(2) مجموعة الرسائل والمسائل: 2/279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت