بهذا التوجيه يُقال إذا لم نقف على تعريفه له في موضعٍ آخر من كتبه أو رسائله .. فكيف وقد عرَّفه وأثنى عليه في أحد رسائله آخرة العهد بقوله: (( وأما الحفظ فهو ضبط ألفاظ الأحاديث، وتثقيف سوادها في الذكر، والمعرفة بأسانيدها، وهذه صفة حفاظ الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن عقدة [1] والدارقطني والعقيلي والحاكم ونظرائهم، فهؤلاء في هذه الطريقة فوق هؤلاء المذكورين إلا أحمد، فإنه في الحفظ نظير هؤلاء، وبالله تعالى التوفيق ) ). [2] فهذا النقل قطعٌ لكل من قال بتجهيل الإمام ابن حزم للإمام الترمذي، وليس بعد ذلك إلا النقمة وحط الأقدار.
(ثانياُ) التعقيب على قولهم بأن الإمام ابن حزم قام بتجهيل الإمام الترمذي في كتابه"المُحلَّى" (وهو قول الحافظ ابن كثير) ، فأقول:
لعل الحافظ رحمه الله وَهِمَ في ذلك والله أعلم، وعليه فقد تبعه على ذلك عددٌ من النقلة .. فمن المعاصرين فضيلة الشيخ سعد الحميِّد -حفظه الله- حيث قال: (لكننا نعجب من ابن حزم حينما نص على أن الترمذي مجهول في كتابه المحلى وفي غيره أيضًا من كتبه) . [3]
والصحيح أن الإمام الترمذي لم يُذكر في"المُحلَّى"إلا في موضعٍ واحد ولم يُتعرض له بتجهيلٍ ولا بغيره، وهاكَه بتمامه:
قال -رحمه الله-: (( وموَّه بعضهم بان قال: قد روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أفرض أمته زيد بن ثابت قلنا: هذه رواية لا تصح إنما جاءت إما مرسلة وإما مما حدثنا به أحمد ابن عمر بن أنس العذري قال: نا على بن مكي بن عيسون المرادى وأبو الوفا عبد السلام بن محمد بن على الشيرازي قال مكي: نا أحمد بن أبى عمران الهروي نا أبو حامد احمد ابن على بن حسنويه المقرى بنيسابور نا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي نا سفيان ابن وكيع نا حميد بن
(1) وفي المطبوعة"ابن عفرة"بالراء المهملة، ولا شك أنه غلط، والصواب المثبوت.
(2) وذلك في"الرسالة الباهرة في الرد على أهل الأقوال الفاسدة" (ص50) ، وهنا أمانةً نورد تشكيك محقق الرسالة في إدخال الترمذي بينهم، حيث يذهب أنه دسٌ من النساخ، واحتج بما نقله عن الذهبي: (من أن السنن لم يدخل الأندلس في وقته) ، وسيأتي الرد عليه في صلب الوريقات في الجواب على سؤال الإلحاقة، وأنه ليس بشيءٍ!!.
(3) مصورة مذكرة مناهج المحدثين (ص37) .