فهرس الكتاب
على أن مناقشتنا للدكتور أركون في موضوع القرآن لن تقف عند كلامه النظرى فيه، إذ إن له جهودا تطبيقية أراد بها أن يقدم تحليلا للخطاب القرآنى على حد تعبيره بدلا مما سماه:"التفسير الموروث". وهو في هذه الجهود كثير الدعاوى يركب المراكب الوعرة ملوِّحًا بسوطه في الهواء محدثًا فرقعاتٍ تلقى الرعب في قلوب غير المتمرسين، إذ يظنون أن الرجل سوف يكرّ على خصومه فيزلزل الأرض من تحت أقدامهم ويفتك بهم كما تصنع الحمم البركانية بمن قدر له حظه التاعس أن يسكن قريبا من فوهة بركانها، ليفاجأوا به في نهاية المطاف وقد ثَنَى عِنَان جواده الهزيل"للخلف دُرْ"وأخذ يعدو بأقصى سرعته وكأنه قد برز له عفريت فجأة ألقى الجزع والفزع في قلبه الخفيف الرهيف. كذلك سوف نراه يتناقض من موضع إلى آخر، وقد يكون مجال التناقض فقرتين متتاليتين. ثم إنه كثيرا ما يَعْلَق في شَرَكٍ يكون قد وضعه هو بنفسه في التراب موهما نفسه وإيانا بأنه سوف يصطاد به الذئب ويجىء به من ذيله، لكنه سرعان ما يقع هو لا الذئب في هذا الشَّرَك، ثم لا يستطيع تخليص نفسه منه ويظل يضرب بجناحه على غير هدى ولا أمل في الفرج بأية حال. وإليكم البيان: في إحدى هذه الفرقعات الخنفشارية، وتحديدا في مدخل محاولته تحليل سورة"الفاتحة"، نراه يضع عدة"إضاءات"يقدم بها لهذا التحليل، وعلى رأس هذه الإضاءات قوله:"إن القرآن مدونة متجانسة...كل العبارات التى يحتويها كانت قد أُنْتِجِتْ في نفس الوضعية العامة للكلام أو نفس الظرف العام للخطاب" (القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى/ 114) . وقد فسر تابعه"..."معنى الظرف العام للخطاب بأن"كل خطاب أو كلام يقال في ظرف معين أو أحوال معينة، والذين يحضرون الجلسة التى قيل فيها هذا الكلام يفهمونه بشكل أفضل من الغائبين الذين يطَّلعون عليه قراءةً" (بالهامش) . وليس لهذا من معنى إلا أن القرآن كله قد نزل في نفس الظروف العامة للخطاب، وهى