فهرس الكتاب
وعلى هذا الأساس، ينتقل سبينوزا إلى التحقيق في أسفار العهد القديم، والتحقق من"قدسيتها"، فيقرر إننا"نجهل تماما مؤلفي كثير من هذه الأسفار، أو نجهل الأشخاص الذين كتبوها… أو نشك فيهم"، كما إننا"لا ندري في أية مناسبة وفي أي زمان كتبت هذه الأسفار التي نجهل مؤلفيها الحقيقيين، ولا نعلم في أي أيدي وقعت، وممن جاءت المخطوطات الأصلية التي وجد لها عدد من النسخ المتباينة، ولا نعلم، أخيرا، إذا كانت هناك نسخ كثيرة أخرى في مخطوطات من مصدر آخر" (24) إضافة إلى ذلك، فنحن"لا نملك هذه الأسفار في لغتها الأصلية، أي في لغة كتابها"مما يزيد من صعوبة تفسيرنا لها تفسيرا صحيحا (25) .
ويرى سبينوزا أن المعلومات التاريخية عن الكتاب المقدس،"ناقصة، بل وكاذبة"، وان الأسس التي تقوم عليها معرفة هذا الكتاب"غير كافية، ليس فقط من حيث الكم"بحيث لم نستطيع أن نقيمها بشكل صحيح،"بل أنها، أيضا، معيبة من حيث الكيف"، ولكن الناس المتشبثين بآرائهم الدينية يرفضون"أن يصحح احد آراءهم"هذه، بل إنهم"يدافعون بعناد"عن هذه الآراء، مهما كانت مغلوطة ومشوشة، كما يدافعون عن"الإحكام المسبقة… التي يتمسكون بها باسم الدين". وهكذا لم يعد العقل مقبولا"إلا عند عدد قليل نسبيا" (26) .
واستنادا إلى هذه النظريات، يثير سبينوزا تساؤلات مهمة حول أسفار العهد القديم عموما، وأسفار التوراة خصوصا، ثم يقرر ما يلي، معتمدا في تقريره على (ابن عزرا) :"أن موسى ليس هو مؤلف الأسفار الخمسة (التوراة) بل أن مؤلفها شخص أخر عاش بعد بزمن طويل، وان موسى كتب سفرا مختلفا" (27) .
ولتأكيد تقريره هذا، يقدم سبينوزا البراهين التالية:
1ـ"لم يكتب موسى (ع) مقدمة التثنية لأنه لم يعبر الأردن".
2ـ"كان سفر موسى (ع) ، في حجمه، اقل بكثير من الأسفار الخمسة" (كتب السفر كله على حافة مذبح واحد، وفقا لما جاء في التثنية 27 ويشوع 32:8) .