فهرس الكتاب
وتنكرها الحكمة وجدوا من يردها عليهم ويناقشهم الحساب، لتريثوا طويلا قبل أن يأمروا بباطل. ص _173
والثقة ـ خصوصا في أهل الدين ـ تغرس حسن الظن فيما يأتون ويذرون، وتجعل المرء يتلقى توجيههم بالقبول الحسن فهو ينزل عنده مطمئنا إلى أنه يطيع في المعروف . ونحن لا نلوم إنسانا على نقاوة صدره وليونة طبعه، ولكن المؤمن لا يأذن لأحد أن يستغل هذه الصفات النبيلة فيه ليجعل منه شخصا طائش القياد ضرير العين والقلب. وفساد الأديان الأولى جاء من طراوة الأتباع في أيدى رؤسائهم وتحولهم مع مبدأ السمع والطاعة إلى أذناب مسيرة، لا فكر لها ولا رأى. روى أنه لما نزل قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال عدى بن حاتم ـ معترضا ـ: إنهم لم يعبدوهم، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم. فانظر كيف غدت الاستجابة العمياء شركا، وكيف استغلت الثقة لتغيير أحكام الله وإضلال عباده عن الصراط المستقيم. إن الفراعنة والأباطرة! لهوا لأنهم وجدوا جماهير تخدمهم بلا وعى. والأحبار والرهبان والبابوات تألهوا كذلك، لأنهم وجدوا رعايا تمنحهم الثقة المطلقة وتلغى وجودها الأدبى أمام ما يصدرون من أحكام. والشعوب التافهة في كل زمان ومكان هى التى تصنع المستبدين وتغريهم بالأثرة والجبروت. وقد بلغ من حمق العامة في بعض أدوار التاريخ المصرى أن قالوا: الحماية على يد فلان خير من الاستقلال على يد فلان!... لو رشح فلان حجرا لانتخبناه... إن الحب المكين شىء واحترام الحقيقة المجردة شىء آخر. ولشعب ما أن يعشق زعيمه وأن يصوغ فيه قصائد الغزل. بيد أنه لا يسوغ أن يتطور به هذا الحب حتى يحاكم الحقائق إلى شخصه بدل أن يحاكم شخصه إلى الحقائق. ومن قديم عرف المصلحون والأئمة أن السمع والطاعة وسائل لا بد منها لسير الأمور وبلوغ الغايات. ونحن لا نمارى في المبدأ بعد ما