الصفحة 164 من 206

فقوانين السمع والطاعة التى سنها الإسلام، بل التى وضعتها نظم أخرى وطبقتها

ص _172

بصرامة ، لم يُقصد بها إلا حفظ المصلحة العليا للجماعة، فكأنما أملت بها غريزة البقاء وضرورة الحياة. ولا مجال البتة لجعلها متنفس هوى جامح أو شهوة عارضة. وعندما شرع قانون السمع والطاعة لم يفترض في الأطراف التى تمثله إلا قيادة راشدة تنطق بالحكمة وتصدع بالحق وتأمر بالخير، ثم جنود يلبون النداء ويمنعون العوائق ويتممون الخطة. وبذلك تنتظم دورة القانون في الأمة كما تنتظم دورة الدم في البدن فتستقيم الحياة وتستقر الأوضاع. أما الطاعة العمياء لا لشىء إلا لأن القائد أمر، وأمره واجب الإنفاذ، فذلك منكر كبير وجهالة فاحشة لا يقرها شرع ولا عقل. روى الإمام أحمد في فسنده قال: بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم الرجل في شىء ـ تبرم بسيرتهم معه ـ فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعونى؟ فاجمعوا إلى حطبا ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها. فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من النار، يعنى ـ فكيف تقادون باسمه إليها ـ؟ لا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. فرجعوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبروه. فقال لهم:"لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا. إنما الطاعة في المعروف". لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا. هذا الترهيب الغليظ يستأصل جذور الطاعة العمياء من نفوس الأتباع جميعا، ويجعلهم يحملقون فيما يصدر إليهم من أوامر، فلا يكونون عبيدا إلا لله ولا جثيا إلا للحق. إنما استكبر من استكبر من الفراعنة والجبابرة لأنهم وجدوا من الرعاع من يسارع إلى إجابة أهوائهم وإطاعة نزواتهم دون بصر أو حذر فعتوا في الأرض وعلوا علوا كبيرا... ولو أنهم عندما أصدروا أوامر يُمليها الغرور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت