الصفحة 191 من 206

من بنيه لخدمته وإلا فإن الكلام الكثير لن يكون إلا لغوا. ص _200

11ـ متاعب الحياة: لما انتهى العام السابق، ووقفتُ على أعقابه أودع لياليه، بحلوها ومرها، بدرت منِّى لفظة تدل عل الشعور بالضيق، وعلى الإحساس العميق بما قد يكون أصابنى من المتاعب والآلام. وما كاد يساورنى هذا الخاطر الضعيف المهزوم حتى راجعت نفسى، وعاودنى رشدى، فعلمت مقدار ما أفسد حياتنا من معانى الضعف الإنسانى. إننى أشبه الطفل المدلل يصرخ للحوادث التافهة، ويثور لأقل المضايقات! والحقيقة أننى في ذلك كسائر المصريين ـ وربما كسائر الشرقيين ـ أنسوا بحياة الراحة ومعيشة الخفض، فهم لا يطيقون أى تعكير لها! وأرهفت إحساساتهم جدا فهم يجسمون ما يمسهم من أشواك الورود، فإذا بها طعنات رماح، وتذكرت قول القائل في وصف هذا الضعف العجيب: خطرات النسيم تجرح خديه ولمس الحرير يدمى بنانه ونتيجة هذه الدعة التى ألفناها كانت وخيمة في نظرتنا للأمور، بل كانت وخيمة في أوضاعنا الاجتماعية، والسياسية. فالموظف الذى يضطرب إذا نقل إلى الصعيد ماذا تقول فيه إذا قارنته بابن لندن أو بنت لندن التى تجوب شوارع القاهرة آمنة!؟ والشاب الذى يشعر بالخطر على حياته الغالية لمجرد الوهم، ماذا يكون أمره إذا كلف ـ كما يكلف غيره ـ بأن يظل أياما طوالا في قلب غواصة تجوب أعماق المحيطات، وتكون بمن فيها كالذئاب الجائعة ترتقب الفرائس لتنقض عليها. والرجل الذى يجزع من خسارة قرش ماذا يكون موقفه إلى جانب من يفضل نسف بيته على الاستسلام الذليل؟!! لنكن أقوياء لا تهزنا النوائب، ولا تقع منا إلا موضع أقدامنا. لماذا لا يحيط بشغاف قلوبنا إطار من الصلابة والقوة يحمينا من الخضوع لمتاعب الحياة، ويثير في دمائنا غريزة العناد والكفاح! فإما سدنا الحياة، وإما فقدنا الحياة. ص _201

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت