فهرس الكتاب
10ـ فنون الدعاية: يظهر أن دعاية القلم واللسان مهما اتسعت فهى قليلة النتائج، ضئيلة الآثار. وقد يكون في الكتابة أو الخطابة شىء من الغناء إذا استخدمتا لغرض محدود، ولكن إذا كان الأمر يتعلق بإقامة نظام سياسى، أو اجتماعى، فالكتابة، أو الخطابة، أسباب مساعدة، وليست وسائل مباشرة للنجاح. نعم قد تحدث الدعاية القوية بصحفها، وخطبائها جوا يخطف أبصار الناس بألوانه، ومظاهره، وقد يدوم ذلك أياما أو أعواما، غير أن هذا الجو الصناعى لا يلبث أن يزول، كما تزول غيوم الدخان، إذا دفعتها الريح بصدرها فجعلتها ـ بعد ما سدت الأفق ـ هباء باطلا. ومع ذلك فالذين يميلون بطبائعهم إلى الجدل والثرثرة يؤثرون هذه الدعايات، ويعلقون عليها آمالا واسعة ويرون الانتصار في معركة كلامية أمرا له ما بعده في توجيه التاريخ، والهيمنة على الحوادث!!.. وخصوصا إذا كان الحق نصيب هؤلاء، فيما يعتقدون ويدافعون، إنهم عندئذ لا يدركون إلا منطق الكلام وحده. وهذا ـ للأسف ـ ما وقع فيه المسلمون، وما اتجه إليه دعاتهم منذ زمن بعيد، يحسبون أن مناظرة أهل الأديان الأخرى، والانتصار عليهم في نقاش علمى حاد، يجدى على الإسلام كثيرا. وجرهم ذلك إلى ترك العمل الصامت، وهجر المسلك المغرى بفضائله. على حين أن المبشرين المسيحيين جعلوا الأساس الأول في دعايتهم عكس هذا الاتجاه، فجعلوا من الاشتغال ببعض الأعمال الإنسانية وظيفتهم الدائمة. واختبئوا بين ما توحى إليه هذه الأعمال في النفوس، ثم بدأوا يقومون بدعايتهم لدينهم. ومن ثم فتحوا المدارس والملاجئ والمستشفيات، وأشرفوا على تحقيق غايتها الأصلية والتبعية، بعناية ونظام، وساعدهم على المضى في طريقهم أنهم اختيروا بطريقة غير الطريقة التى يختار بها دعاة الإسلام عندنا، طريقة اختيار العاجزين في أجسامهم، والقاصرين في ثقافتهم!.. ألا فلنراجع أنفسنا! إن الدعاية للإسلام لا معنى لها إلا بعد إقامة دولته وتكوين أمته، وحشد النابهين