الصفحة 189 من 206

وذلك هو ما كون بيننا جيلا من الناس يحسنون إصدار الأوامر فحسب، ويريدون أن يشرفوا من بعيد على تنفيذها. فإذا تغير الوضع وصدر إليهم أمر، لم تجد أمامك تنفيذا، بل لا تجد أمامك أحدا. 9ـ هذه الأمة: دعاية المسلمين لدينهم لن تقوم لها حجة، ولن تكون لها وجاهة، إلا إذا تغيرت أحوالنا العامة، وبُدلت الأرض غير الأرض. فإن جمهور الأجانب ليسوا فلاسفة، حتى يفصلوا بين الدين وأصحابه، وحتى يهضموا أن مبادئ الإسلام شىء، وعمل الناس بها شىء آخر قد يناقضها تمام المناقضة، وقد لا تكون صلته بالإسلام أوثق من صلة الكفر بالإيمان..!! ... أمس رأيت جنازة تسير وأمامها صفان من المأجورين بملابس التشييع، وخلفها جماعة يتصايحون بالتكبير ويتمايلون على أنغامه، ومن خلفهم عربات تحمل النساء النادبات، وقد اختلط صراخهن بصياح الحوذية، وهم يكيلون السباب لحميرهم، كى تضبط سيرها في موكب الموت الرهيب!.. ربما لا يكون في هذا ـ على أنه منكر ـ ما يغرى بالتعليق، لأننا ألفنا المنكر، فقلما نغضب له.. إنما المؤسف أن خلف هذه الجنازة وملحقاتها، كانت عدة سيارات تمشى ببطء، وكانت تحمل فريقا من الإنجليز المحاربين. ولمحت إلى جانب عجلة القيادة في إحدى السيارات فتاة ترتدى اللباس العسكرى، وتنظر إلى النسوة الصاخبات الباكيات، وعلى فمها ابتسامة هائلة!. ودارت عينى بين وجهها ووجوه سائر الجنود المحملقين، ثم بين أفراد الجنازة الشرقية الإسلامية المائجة بما فيها، وشعرت بسخونة تكاد تحرق رأسى، وبحياء شديد يستولى على أوصالى. وطن في أذنى صراخ الصارخين وضحك الضاحكين، ثم أدركت أن كل شىء في هذا الشارع يتساءل عن وجودى، أنا عالم الدين، أو رجل الدين ـ كما يقولون ـ فيهمس: أى معنى له؟ أى معنى له!. ص _199

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت