فهرس الكتاب
وتقدير كفاءتهم، بل تراهم يحقدون ويحذرون، ثم يبذلون جهدهم في إقصاء كل ذى نباهة أو استغلال حاجته إليهم ـ إن كان ذا حاجة ـ فيصرون على إذلاله وتقليم أظافره . وتأمل في تاريخنا وفى مصارع كثير من أئمة العلم والدين، تجد مصداق ذلك واضحا في تهشيم الأغبياء لرءوس الأذكياء لا لأقدامهم ـ كما قال صديقى ـ خشية على منازلهم التى قفزوا إليها في غفلة الزمن. ألا فلنحسن اختيار من يلون أمورنا، فإن الغبى لا ينفع ولا يترك لغيره المجال كى ينفع. فالنكبة به مضاعفة، والمصيبة فيه فادحة. * * * * لست أستكثر على الرجل الممتاز أن يعرف لنفسه قدرها وأن يقرر لها حقها! وليست مبالغته في ذلك جرما يؤاخذ عليه بعنف، ولكنه قد يكون إفراطا ينبه إليه بلطف!. إنما الشىء الذى يستثير النفس أن يكثر الادعاء العريض، وأن ترى الرجل في منزلة غريبة يراها لنفسه، فيصبح وليست له كفاية القواد، ولا طاعة الجنود. لأنه ـ في رأى نفسه ـ يجب أن يتقدم. وهو يحرص على ذلك، بينما لا تساعده مواهبه على الوقوف في الطليعة وتحمل العبء! ثم هو يكره أن يتراجع إلى مستقره العتيد وأن يتقبل ـ في طواعية ـ ما يلقى إليه من توجيه. وقد يؤثر العزلة على العمل، أو يركب العناد رأسه، فيكون على نفسه وعلى الناس شرا مستطيرا!! هذا المرض شاء بيننا، فإذا أراد قوم أن يؤسسوا جماعة ـ مثلا ـ في بلدهم كان هذا المرض هو أول عوائق تقدمها وأول أسباب انحلالها.. وما أكثر ما نجد مظاهر هذا الادعاء الذى يجعل الرجل ـ كما قلت ـ ليس له كفاية القواد ولا طاعة الجنود. وعندما يشيع الادعاء تفقد الحقائق قيمتها، ويستبد الجهل بأصحابه ويتقهقر العلم والخلق، وتضطرب موازين الأمور ! ص _198