فهرس الكتاب
الصنف أقل رتبة في الخير من العلماء العاملين المعلمين، بيد أنهم أرقى درجة من صنف آخر يعمل بضد ما يعلم، ويسلك في الحياة مسلكا يزرى بما أوتى من عرفان.. ص _093
وقد أعلن الله عز وجل سخطه على أولئك الذين يعلمون بأقوالهم، ويجهلون بأحوالهم ، فقال: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) .. والحق أن هناك نفرا نكب العلم بهم، وفضحت الأديان بسيرتهم، جعلوا علمهم بالحق مصيدة للباطل فحفظوا منه كلمات يهدون بها الناس، ثم انثنوا من جهة أخرى يجرون المنافع ويصطادون المغانم.. فالفواصل بين ما يقولون وبين ما يفعلون غليظة كثيفة، طباع بهائم وتعليم ملائكة. ولذلك وصف القرآن الصلة بين علمهم وطباعهم بقوله: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) . وأحسب أن هذا الصنف ليس من قبيل الأرض المجدبة التى أمسكت الماء، فالمفروض أن معدن هذه الأرض لا يفسد ما فوقه! والنفوس ينبغى لها أن تصلح بالعلم , فإذا لم تصلح به فلعل من بقية الخير بها أن تحفظه نقيا ليصلح به الآخرون..! وقد تقول: إن الحديث ذكر علماء ينشرون الهدى ولا ينتفعون به، فلم ترك العباد الأتقياء الذين ليس لهم علم ينشرونه؟ والجواب أنه ليس في الإسلام عباد جهلة، وأقل أحوال المسلم أن تكون لديه معرفة بالفضائل والرذائل فهو يدعو للأولى وينفر من الأخرى.. فإذا لم يكن كذلك فهو من العصاة وليس من المتقين. وأما الصنف الذى أعيا العالمين أمره وأعجز الأطباء برؤه فهم أولئك الذين تتعهدهم بدروس الحكمة وتأخذهم بألوان الأدب، وتغزوهم بالنذر، وتتألفهم بالبشريات... ومع ذلك كله يستعصون على جهودك المتتابعة ويلقون القنوط في قلبك. انظر إلى قوم إبراهيم كيف هشم أصنامهم ليثبت لهم أنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها ضرا ولا نفعا.. فلما جاءوها ورأوها مكبوبة مهينة تساءلوا: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا