الصفحة 118 من 653

القول الأول: يجب تفرقتها في بلد المال، وإن نقلها إلى بلد آخر أثم وأجزأته.

وهذا مذهب الحنابلة والشافعية.

واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ ( صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) أي فقراء أهل اليمن.

وقالوا: إن زياد بن أبيه لما بعث عمران بن حصين ساعيًا في الزكاة، فلما قدم عليه عمران، قال له: أين المال، قال عمران: أللمال بعثتني؟ ثم قال: أخذناها من حيث كنا نأخذها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووضعناه فيما كنا نضعه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي أنه صرفها في أهلها.

وقالوا: إن عمر لما بعث له معاذ زكاة أهل اليمن عاتبه على ذلك وقال له: لم أبعثك جابيًا، فقال له معاذ: لم أبعث إليك شيئًا وأنا أجد من يأخذه [يعني من أهل اليمن] .

القول الثاني: يجوز النقل للمصلحة الشرعية [كقرابة محتاجين، أو من هم أشد حاجة من أهل بلد المال] .

وهذا قول الحنفية واختاره ابن تيمية.

واستدلوا بالعمومات (إنما الصدقات للفقراء .... ) قالوا: إن الله لم يفرق بين فقراء وفقراء.

وبحديث معاذ ( .... فترد في فقرائهم) قالوا المراد بالفقراء هنا فقراء المسلمين.

وبقوله - صلى الله عليه وسلم - لقَبِيصة بن المخارق - وقد تحمل حمالة وقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد منه العون على هذه الحمالة - قاله له

(أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) فدل على أن الصدقات تأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - [هذا من أقوى الأدلة] .

وهذا القول وجيه، وإنما قيدوه بالمصلحة جمعًا بين الأدلة.

• والأفضل أن يفرقها في فقراء بلده وفي ذلك فوائد:

أنه أيسر، وأقل خوفًا، وأن أهل بلده أقرب الناس إليه والقريب له حق، وأيضًا أن فقراء بلده تتعلق أطماعهم به وبما عنده من المال، وأيضًا أنه إذا أعطى أهل بلده صار بينه وبينهم مودة ورحمة.

• والأفضل أن يفرقها بنفسه.

لينال أجر القيام بتفريقها، وليبرئ ذمته بيقين، ويدفع عن نفسه المذمة ولا سيما إذا كان غنيًا مشهورًا، وربما ينال دعوة صادقة من فقير، وربما يعطيها للفقير وهو في وقت كربة فيتذكرها الفقير ويدعو له كل ما تذكره، لكن يجوز أن يوكل من يدفعها عنه.

• يجب إخراج الزكاة بنية.

فتجب النية على المخرج، لأن إخراج المال يكون للزكاة ويكون للصدقة، ولا يحدد نوع الإخراج إلا النية.

• إذا دفع الزكاة لمن يظنه أنه من أهلها، ثم بان أنه غنيًا، فإنها تجزئه.

لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِىٍّ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِىٍّ وَعَلَى سَارِقٍ. فَأُتِىَ فَقِيلِ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِه) متفق عليه.

ولأنه فعل ما استطاع عليه، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت