والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة -رضي الله عنه-:"لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود". فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة؛ لمعان منها أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو، ويخيف العدو فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل] رواه أهل السنن وصححوه. وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا أجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتّان] يعني منكر ونكير. فهذا في الرباط فكيف في الجهاد.
وقال صلى الله عليه وسلم: [لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد أبدًا] وقال: [من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار] فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل، فكيف بما هو أشق منه؛ كالثلج، والبرد، والوحل.
ولهذا عاب الله عز وجل المنافقين الذين يتعللون بالعوائق، كالحر والبرد. فقال سبحانه وتعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون} . وهكذا الذين يقولون: لا تنفروا في البرد، فيقال: نار جهنم أشد بردًا. كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر والبرد فهو من زمهرير جهنم] فالمؤمن يدفع بصبره على الحر والبرد في سبيل الله حر جهنم وبردها، والمنافق يفر من حر الدنيا وبردها حتى يقع في حر جهنم وزمهريرها.
ج- النصر حتم لأهل الإسلام:
واعلموا -أصلحكم الله- أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون. والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم، ومنتقم لنا منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فابشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه، والحمد لله رب العالمين. يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين. يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من