"وما أنزل الله في القرآن من آية إلا وقد عمل بها قوم، وسيعمل بها آخرون. فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين، الذين يحبهم الله عز وجل ورسوله؛ فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم، الذين يخرجون عن الدين، ويأخذون بعضه ويدعون بعضه، كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين، الذين خرجوا على أهل الإسلام، وتكلم بعضهم بالشهادتين، وتسمى بالإسلام من غير التزام شريعته؛ فإن عسكرهم مشتمل على أربع طوائف:"
كافرة باقية على كفرها: من الكرج، والأرمن، والمغل.
وطائفة مسلمة ارتدت عن الإسلام، وانقلبت على عقبيها: من العرب، والفرس، والروم، وغيرهم. وهؤلاء أعظم جرمًا عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يجب قتلهم حتمًا ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه، لا يجوز أن يعقد لهم ذمة، ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم، ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، ولا يسترقون مع بقائهم على الردة بالاتفاق. ويقتل من قاتل منهم، ومن لم يقاتل؛ كالشيخ الهرم، والأعمى، والزّمن، باتفاق العلماء. وكذا نساؤهم عند الجمهور.
والكافر الأصلي يجوز أن يعقد له أمان وهدنة، ويجوز المنّ عليه والمفاداة به إذا كان أسيرًا عند الجمهور، ويجوز إذا كان كتابيًا أن يعقد له ذمة، ويؤكل طعامهم، وتنكح نساؤهم، ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل، باتفاق العلماء. وكذلك لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء، كما دلت عليه السنة.
فالكافر المرتد أسوأ حالًا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره. وهؤلاء القوم فيهم من المرتدة ما لا يحصي عددهم إلا الله فهذان صنفان.
وفيهم أيضًا من كان كافرًا فانتسب إلى الإسلام ولم يلتزم شرائعه؛ من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، والكف عن دماء المسلمين وأموالهم، والتزام الجهاد في سبيل الله وضرب الجزية على اليهود والنصارى، وغير ذلك.
وهؤلاء يجب قتالهم بإجماع المسلمين، كما قاتل الصديق مانعي الزكاة؛ بل هؤلاء شر منهم من وجوه، وكما قاتل الصحابة أيضًا مع أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: [تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة] وقال: [لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل] وقال: [هم شر الخلق والخليقة، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتيل من قتلوه] . فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم