فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 122""""""
وأدخلني إلى حجرة كانت له قديمًا ، يخلو فيها ، وقد أعادها إلى أحسن ما كانت عليه ، وفيها فرش حسن ليس من ذلك الجنس ، وفي داره أربعة غلمان ، قد جعل كل خدمتين إلى واحد منهم ، وخادم شيخ ، كنت أعرفه له ، قد رده ، وجعله بوابًا ، وشاكري ، وهو سائسه . وجلس ، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة ، فخدم بها ، وبفاكهة مختصرة متوسطة ، وطعام نظيف كاف ، إلا أنه قليل ، فأكلنا ، وبنبيذ تمر جيد ، فجعلوه بين يدي ، وبمطبوخ جيد بين يديه . ومدت ستارة ، فإذا بغناء طيب ، وبخر بعود طري وند جميعًا ، وأنا متشوف إلى علم السبب . فلما طابت نفسه ، قال: يا فلان ، تذكر أيامنا الأولة ؟ قلت: نعم . قال: أنا الآن في نعمة متوسطة ، وما قد أفدته من العقل ، والعلم بالزمان ، أحب إلي من تلك النعمة ، هو ذا ترى فرشي ؟ قلت: نعم . قال: إن لم تكن بذلك العظم ، فهو مما يحتمل به أوساط الناس . قلت: نعم . قال: وكذلك آلتي ، وثيابي ، ومركوبي ، وطعامي ، وفاكهتي ، وشرابي ، فأخذ يعدد ويقول في كل فصل: إن لم يكن ذلك المفرط ، ففيه جمال ، وبلاغ ، وكفاية . إلى أن ذكر كل ما عنده ، ويضيف ذلك أمره الأول ، ويقول: هذا يغني عن ذلك ، قد تخلصت من تلك الشدة الشديدة ، تذكر يوم عاملتني المغنية لعنها الله بما عاملتني به ؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم ، وقلته في كل يوم ، وفي يوم الزجاج ؟ فقلت: هذا قد مضى ، والحمد لله الذي أخلف عليك ، وخلصك مما كنت فيه ، فمن أين لك هذه النعمة ، والجارية التي نغنينا الآن ؟ فقال: اشتريها بألف دينار ، وربحت جذور القيان ، وآمري الآن على غاية الإنتظام والإستقامة . فقلت: من أين هذا ؟ قال: مات خادم لأبي ، وابن عم لنا بمصر ، في يوم واحد ، فخلفا ثلاثين ألف دينار ، فحملت إلي بأسرها ، فوصلت في وقت واحد ، وأنا بين القطن ، كما رأيت ، فحمدت الله ، وأعتقدت أن لا أبذر ، وأن أدبر ، وأعيش بها إلى أن أموت ، وأنفقها على اقتصاد . فعمرت هذا الدار ، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان ، بخمسة آلاف دينار ، وجعلت تحت الأرض خمسة