الصفحة 156 من 841

""""""صفحة رقم 154""""""

إذا اختل أمر القضاء بالدولة اختل حالها

: حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال: كان أول ما انحل من نظام سياسة الملك ، فيما شاهدناه من أيام بني العباس ، القضاء ، فإن ابن الفرات ، وضع منه ، وأدخل فيه قومًا بالذمامات ، لا علم لهم ، ولا أبوة فيهم ، فما مضت إلا سنوات ، حتى ابتدأت الوزارة تتضع ، ويتقلدها كل من ليس لها بأهل ، حتى بلغت في سنة نيف وثلاثين وثلثمائة ، أن تقلد وزارة المتقي أبو العباس الأصبهاني الكاتب ، وكان غاية في سقوط المروءة ، والرقاعة . ولقد استأذنت عليه يومًا ، فجاء البواب ، فقال: ابن عياش بالباب ، فسمعته يقول له من وراء الستر: يدخل . فقلت في نفسي: لا إله إلا الله ، تبلغ الوزارة إلى هذا الحد في السقوط ؟ وحتى كان يركب وليس بين يديه إلا ابن حدبنا صاحب الربع ، وحتى رأيت في شارع الخلد قردًا معلمًا ، يجتمع الناس عليه . فيقول له القراد: تشتهي أن تكون بزازًا ؟ فيقول: نعم ، ويومىء برأسه . فيقول: تشتهي تكون عطارًا ؟ فيقول: نعم برأسه . فيعدد الصنائع عليه ، فيومىء برأسه . فيقول له في آخرها: تشتهي تكون وزيرًا ؟ فيومىء برأسه: لا ، ويصيح ، ويعدو من بين يدي القراد ، فيضحك الناس . قال: وتلى سقوط الوزراة ، اتضاع الخلافة ، وبلغ صيورها إلى ما نشاهد ، فانحلت دولة بني العباس ، بانحلال أمر القضاء . وكان أول وضع الفرات من القضاء ، تقليده إياه ، أبا أمية الأحوص الغلابي البصري ، فإنه كان بزازًا ، فاستتر عنده ابن الفرات ، وخرج من داره إلى الوزارة . فقال له في حال الاستتار: إن وليت الوزارة ، فأي شيء تحب أن أعمل بك ؟ قال: تقلدني شيئًا من أعمال السلطان . قال: ويحك ، لا يجيء منك عامل ، ولا أمير ، ولا صاحب شرطة ، ولا كاتب ، ولا قائد ، فأي شيء أقلدك ؟ قال: لا أدري ، ما شئت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت