الصفحة 158 من 841

""""""صفحة رقم 156""""""

من محاسن الأحوص الغلابي القاضي بالبصرة

حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الله بن محمد القاضي ، المعروف بابن نصرويه ، قال: كنت أيام أبي أمية الغلابي ، وتقلده القضاء بالبصرة ، حدثًا ، وكنت أجيئه مع خالي ، وكان الحر عندنا بالبصرة إذ ذاك ، شديدًا مفرطًا ، أكثر من شدته الآن . وكان أبو أمية يخرج في كل عشية من داره في مربعة الأحنف ، وعليه مئزر ، وعلى ظهره رداء خفيف ، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان ، ، وبيده مروحة ، وهو قاضي البصرة ، والأبلة ، وكور دجلة ، وكور الأهواز ، وواسط ، وأعمال ذلك ، فيمشي حوله من يتفق أن يكون في الوقت من غير تعمل ، حتى ينتهي إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا الساجي ، فيجلس إليه ، وربما سبقه ، وجاء أبو يحيى ، وجلسا يتحدثان ، ويجتمع إليهما أترابهما ، وإخوانهما القدماء ، فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث ، والمزح ، وما ليس بقليل . ويجيء سعيد الصفار ، وكان يخلف أبا أمية على البصرة ، بقلنسوة عظيمة ، وقميص ، وخف ، وطيلسان ، فيسلم عليه بالقضاء ، ويشاوره في الأمور ، فيقول له: قم عني ، لا يجتمع علي الناس ، لا تقطعني عن لذتي بمحادثة إخواني القدماء ، قم إلى مجلسك . فيقوم سعيد ، فيجلس بالبعد منه في الجامع ، في موضع برسمه ، ينظر بين الناس . وما كان ذاك يغض من قدره عند الناس ، وكانت سيرته أحسن سيرة ، واستعمل من العفة عن الأموال ، ما لم يعهد مثله . وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد ، فإذا أراد أحد أربابها شيئًا ، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة ، فلحق الناس مشقة ، فنقل أبو أمية ديوانها إلى البصرة ، فكثر الدعاء له ، وصارت سنة ، وبقي الديوان بالبصرة . وكان - مع هذا - يتيه على ابن كنداج ، وهو أمير البصرة ، ولا يركب إليه مرة ، إلا إذا جاء ابن كنداج مرة ، ويعترض على ابن كنداج . في الأمور ، ويسمع الظلامات فيه ، وينفذ إليه في إنصاف المتظلم ، فيضج ابن كنداج من يده ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت