الصفحة 197 من 841

""""""صفحة رقم 195""""""

الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر

: حدثني أبو علي الحسين بن محمد الأنباري الكاتب قال: سمعت دلوية الكاتب ، يحكي عن صافي الحرمي الخادم ، مولى المعتضد ، إنه قال: مشيت يومًا بين يدي المعتضد ، وهو يريد دور الحرم ، فلما بلغ إلى باب دار شغب أم المقتدر ، وقف يتسمع ويطلع من خلل الستر ، فإذا هو بالمقتدر ، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها ، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن ، وبين يديه طبق فضة ، فيه عنقود عنب ، في وقت فيه العنب عزيز جدًا ، والصبي يأكل عنبة واحدة ، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة ، على الدور إليه أكل واحدة مثلما أكلوا ، حتى فني العنقود ، والمعتضد يتمزق غيظًا . قال: فرجع ، ولم يدخل الدار ، ورأيته مهمومًا . فقلت: يا مولاي ، ما سبب ما فعلته ؟ وما قد بان عليك ؟ فقال: يا صافي ، والله لولا النار والعار ، لقتلت هذا الصبي اليوم ، فإن في قتله صلاحًا للأمة . فقلت: يا مولاي ، حاشاه ، أي شيء عمل ؟ أعيذك بالله يا مولاي ، إلعن إبليس . فقال: ويحك ، أنا أبصر بما أقوله ، أنا رجل قد سست الأمور ، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ، ولا بد من موتي ، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلا ولدي ، وأنهم سيجلسون ابن عليًا - يعني المكتفي - وما أظن عمره يطول ، للعلة التي به ، قال صافي: يعني الخنازير التي كانت في حلقه ، فيتلف عن قريب ، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي ، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر ، فيجلسونه وهو صبي ، وله من الطبع في السخاء ، هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثلما أكل ، وساوى بينه وبينهم ، في شيء عزيز في العالم ، والشح على مثله في طباع الصبيان ، فتحتوي عليه النساء ، لقرب عهده بهن ، فيقسم ما جمعته من الأموال ، كما قسم العنب ، ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور ، وتنتشر الأمور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت