فهرس الكتاب
وقد ألف المسلمون خلال مراحل تاريخهم أن يستقبلوا نهضات عامة أو محلية تقيم ما أعوج من أمورهم، وترفعهم إلى مستوى رسالتهم الأولى وتمنحهم قوة يردون بها الخصوم ويحمون بها التراث. ونريد قبل الحديث عن جهود أولئك المجددين أن نشرح أولا المواضع التى يمسها هذا التجديد ومعناه وحدوده. إن تحديد الإسلام ليس أكثر من تجلية حقائقه الأصلية، وتجريد التراث السماوى من الشوائب العارضة، وتمكين الأحرار والعقلاء من اعتناقه عن إعجاب ورغبة ويقتضى ذلك عدة أمور: ا- محاربة البدع والخرافات التى انضافت إليه وحسبت دينا، وهى ليست من الدين في شىء. إن هذه الزوائد الضارة هى سر انصراف كثير من العقلاء عن الدين نفسه.. ولا يجوز إحسان الظن بها مهما بدت حسنة، ولا بأصحابها مهما بدوا أتقياء. فإن البدعة المصنوعة بين الناس لتكون دينا صادرا عن رب الناس ضرب من التزوير المريب. إنها كالحديث الموضوع أو الوحى المفترى تروى للناس أن الله قال كذا، وهو لم يقل، أو أن رسوله حدث بكذا، وهو لم يحدث. وسير آراء الناس في الأرض على أنها توجيهات نزلت من السماء كذب مضاعف الخطر، وأظنها تدخل في نطاق الآية: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) . وخير ما تنكشف به هذه المحادثات المجلوبة، وهو تقرير الأصول الدينية من ينابيعها اليقينية. ص _110