الصفحة 106 من 254

أما في الحالة الأولى- وهى حالة اندماج وتفاعل- فإن إدراك الحدود بين الأصيل والدخيل تدق وتخفى حتى لتكاد تستحيل، لأن الناتج من التفاعل سيكون شيئا جديدا معقد التركيب، تختلف خصائصه وصفاته عن كل من العنصرين المكونين له، ولأن الناس يدركون في حالة التقليد أن الذى يفعلونه شىء آخر غير الإسلام. أما في الحالة الأولى فسوف يرسخ في أذهانهم أن ذلك هو التفسير الحق للإسلام الذى يلائم ظروف الزمان، وسوف يرفضون كل محاولة لردهم إلى الحق لأنهم يتوهمون أنها دعوة رجعية جامدة".ا هـ. وخير ما نتمسك به لإحباط تلك الدسائس الثقافية توكيد الحقيقة التى شرحناها آنفا.. إن الإسلام كل لا يتجزأ، ونسيج عريض من التعاليم المتشابكة لا يمكن قصه ولا تمزيقه، وأن الأخذ بهذه التعاليم كلها في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات لب الإيمان وشرط بقائه، وأنه لا يؤذن لأحد أبدا باعتناق ما يهوى واجتناب ما يكره.. وثم وحدة أخرى تساير وحدة النصوص، ونعنى بها وحدة الروح السارى والقسمات المميزة للصورة كلها.. فإن إنجلترا لا تعتبر قد اعتنقت الإسلام مثلا لو أنها أدخلت في قانونها شريعة قطع يد السارق. إن الإسلام روح وجسد، إيمان ونظام، عقيدة باطنة تشبه الوقود الذى يحرك الآلات، ثم مجموعة الوصايا والأوامر والنواهى والحدود والشعائر التى تسير الحياة إلى وجهة معينة ووفق أسلوب خاص. هذا الكيان كله هو الإسلام، فاستعارة أجزاء منه، لا تجعل المستعير مسلما، والأمة الداخلة فيه يجب أن تستبطن الروح الدافع، وأن تستعان بعد في كل ما حفل به هذا الإسلام من شرائع وشعائر.. تصطبغ بصبغته وتستظل برايته وتحتكم إلى شرعته، وتربط كرامتها المادية والمعنوية بمدى الوفاء له والدفاع عنه. وهذا المسلك لا يحتمل بداهة تجزئة الوحى، وإحياء بعضه بالعمل، وإماتة بعضه بالإغضاء أو الجحود. ص _115"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت