فهرس الكتاب
3-اصطفاء الدعاة: ويتطلب تجديد الإسلام نظرة أخرى إلى الرجال الذين يحملون علومه، وينصرون في الحياة مبادئه، فإن الطريقة التى يتكونون بها، والمستويات التى لا يجوزون حدها تظلم الإسلام وتقف بنجاحه عند آفاق دانية.. إن الله اختار المبلغين عنه من أكرم البشر عرقا والفهم فكرا، وأزكاهم معدنا، وأرحبهم طاقة، واستنبتهم في بيئات تحفهم بالإكبار وترمقهم بالتجلة. وربما عادتهم هذه البيئات بعد أن يبلغوا رسالات ربهم، وكرهت أشد الكره ما يجيئون به من وحى، بيد أن أشد خصومهم لددا لا يستطيع أن يجرح أشخاصهم، ولا أن يغمز أخلاقهم، ولا أن يلمح في سيرتهم الماضية أو الحاضرة ما يخزيهم به.. ولقد كان أبو سفيان حامل راية الحرب ضد محمد زمانا طويلا، فلما علم أنه تزوج ابنته بعد إسلامها وممات رجلها لم يشعر قط بأثارة من غضاضة، بل أحس أنها صارت إلى الرجل الذى يشرفها كنفه وتشرفه هو مصاهرته وقال: هو الفحل لا يقدع أنفه.. وصدور الدعوة الدينية عن رجال تلك مكانتهم الشخصية وضع للأمور في مواضعها، فإن العظائم كفؤها العظماء. وتعريف الناس بالله وسياستهم بهداه، وفك آصارهم النفسية والاجتماعية بشرعه، فلك كله ينتقى له السادة من البشر، السادة بمواهبهم وكفايتهم لا بالزعم والدعوى.. ولذلك قال ابن مسعود: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا. والأكابر ليسوا أصحاب الجثث الضخمة، ولا الأسنان المتأخرة، ولا الثروات العريضة ولا الوظائف المهيبة وقد يكونون أمراء أو لا يكونون، وقد يكونون أغنياء أو لا يكونون.. فتلك أعراض لا تمس قيمهم الخاصة ولا تؤثر فيها علوا أو هبوطا.. ص _116