الصفحة 108 من 254

ومن سلامة الأوضاع الاجتماعية في الأمة أن يكون قادتها أولى العلم فيها على اختلاف تخصصهم وخبراتهم، فإن فلك يجعل الجماهير لهم تبعا.. يروى عن عمر بن الخطاب قوله: علمت متى يهلك الناس؟ إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير!! وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا.. والحق أنه مما يزرى بالإسلام أن يكون حملة المصحف فيه طوائف مغموصة الشأن. وقد جهد الاستعمار- بعد استمكانه من الأقطار الإسلامية- أن يهون من قيمة العلم الدينى والأوعية الحاملة له، وأن يجعل الصدارة لألوان أخرى من المعرفة وصنوف أخرى من الناس، تاركا الكلام في الإسلام والاشتغال بتوجيهاته لأقوام في مؤخرة الحياة تقاتلهم على ضروراتها ويقاتلونها على طلب البقاء... وحسب. ويستحيل أن يصلح الإسلام أو تستقيم أموره أو يصح عرضه أو يعم نفعه إلا إذا عاد التاريخ سيرته الأولى، وأصبح رجاله مصنوعين من المعادن التى صنع منها أسلافهم الأوائل نفاسة ومجادة، وتبوءوا في مجتمعاتهم- بمحض كفاءتهم- أماكن التوجيه والقيادة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". وقال:"ستأتى على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون الأمين وينطق فيها الرويبضة.. قيل وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة". واستطاعة التافهين أن يوجهوا الجماهير مصيبة. وأشد منها وأفدح أن ينحصر التوجيه الدينى- بفعل الاستعمار- في طوائف لا مكان لها في الحياة ولا في الأنفس، إذا قالت لم يسمع منها، ولم يلتفت إليها. أو يكفى أن يستمع إليها العوام التائهون، وأن يستفتوهم في شئون تكون أو لا تكون؟! أما القضايا الكبرى للحياة فإن زمامها بأيد أخرى وأفكار أخرى. ص _117

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت