الصفحة 111 من 254

وقد كان يتغير وجهه إذا رأى النبط يكتبون العلم.. وقال مكحول: تفقه الرعاع والسفلة فساد الدين.. وهذه الكلمات تحتاج إلى بيان، فإن الإسلام لا يقر بين الناس نظام الطبقات. ويرفض رفضا حاسما أن يوصف البعض بأنهم سوقة، والبعض الآخر بأنهم سادة. وإذا كانت هناك دركات للضعة ودرجات للرفعة فهى في الإقبال على هذا القرآن أو الصدود عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين". والآثار السابقة تستنكر وضعا لا يزال سائدا إلى اليوم. فإن توجيه الذكاء والقدرة والوسامة والتفوق إلى خدمة الفنون المدنية وتوجيه من عداهم إلى خدمة الدين، وعرض الدعوة الإسلامية شىء لا يليق. وجامعة الأزهر تأخذ الناجحين الأوائل لكلية المعاملات والإدارة وترمى بالمتأخرين إلى الشريعة والدعوة. بل إن جامعة الأزهر كلها لا يتوجه إليها إلا من يئس من الالتحاق بإحدى الجامعات الأخرى... والمجتمع الإسلامى لا ينشئ قادته في الفقه والخلق والدعوة والتربية بهذا الأسلوب. ويوم يخص التعليم المدنى بالكفايات، ويرمى التعليم الدينى بالنفايات، فالويل للدين ومستقبله.. إن تعليم الدين يحتاج إلى عقل فيلسوف، وعاطفة أديب، ودقة مشرع، وشجاعة فارس، وبر والد، وإيناس صديق.. ومن ذا الذى يصلح للخلافة عن المرسلين في أداء وظائفهم وتمهيد طرقهم وإيضاح غاياتهم إن لم تكن النخب المختارة، والخلاصات الممتازة؟! وأيا ما كان الأمر فإن القران- وهو كتاب العربية الأوحد ونسق بلاغتها الأسمى- لا يمكن أن يتجاوب مع معانيه وأهدافه إلا رجل أديب، شاعر الفؤاد، وإن لم يقل الشعر، طلى العبارة، وإن لم يزور القول، يتذوق الجمال الأدبى، ويقول مثل ما قال صاحب الرسالة:"إن من البيان لسحرا". ص _120

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت