الصفحة 112 من 254

أما البكم الذين يظلم القرطاس بكلماتهم ويغيض الرونق من عباراتهم فما لهم وللكلام في الإسلام؟! والقرآن وحى يفطم الأنفس عن الهوى، ويسوق الأمم إلى الحق، ويسرد قصص الأولين، ويصف مشاهد الجزاء الأخروى كى يخلق إنسانا على حظوظ وفيرة من التربية والسمو. فليس يصلح لخدمته عبيد الشهوات من أصحاب العزم الفاتر، والاشتهاء الفائر. وإنما يصطفى له أولو الشرف في سيرتهم ومعاملاتهم. والقرآن كتاب تشريع يحارب الجريمة في المجتمع، ويرسل الأحكام صارمة لاجتثاث جذورها، وإشاعة الرهبة في أفئدة الميالين إليها. وهو يضبط العقود بين شتى الأطراف حتى لا يضيع حق، ولا تفلت مصلحة. ثم يمزج بين هذه التوجيهات القانونية وبين ما ينشده لبنى آدم من عودة إلى الله وتوبة نصوح إذا خطأوا. ومن ثم لا يصلح لدراسة أحكامه وتطبيقها، إلا عارفون بأسرار التشريع، واقفون على طباخ الخلق وعلل الجماعات.. أما الأجلاف السطحيون فهيهات أن يقيموا أحكام السماء أو يصلحوا بها عوج الخلائق. والقرآن دعوة عامة تجابه دعوات مضادة، وتلقى خصوما للحقيقة ما يخلو منهم جيل، وتلقى كذلك أقواما استكانوا إلى ما ورثوا من عقائد ومذاهب، ما تكشف لهم عوارها، ولا بان لهم بطلانها. والدعاة إلى الله إذا لم يجمعوا بين عمق العلم ولباقة التصرفف فهم فاشلون يقينا. إن أنصبتهم من العلم بالدين والدنيا يجب أن تكون ضخمة. ثم ليس كل إنسان يصلح بخلقه وسمته للسفارة عند الآخرين، ولا لاستلانة المعاندين. لابد من استعداد شخصى، يجعل صاحبه شجاعا في مواطن الجراءة، رقيقا في مواطن التلطف.. والغريب أن أقسام الدعوة في الجامع الأزهر الشريف، ثم في جامعة الأزهر لم تكن تضم إلا من زهد فيهم الأزهر نفسه.. ص _121

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت