فهرس الكتاب
كلما رجعت البصر إلى سير الفقهاء والدعاة الأوائل امتلأ قلبى خشوعا وإجلالا لأولئك العلماء الذين كان الملوك يلتمسون رضاهم ويرون فيه تمكينا لدولتهم وتوطيدا لهيبتهم.. في الوقت الذى كان هؤلاء العلماء يرون الله الغاية من علمهم، ويرون هداية عباده ونشدان الأصلح لهم، العمل الأول والأخير لأمثالهم. كانت الشعوب تأوى إليهم وهى آمنة على دنياها ودينها في كنفهم. ثم تبدلت الأرض غير الأرض فأضحى المصحف الشريف والمتصلون به شيئا على هامش الحياة، أضحى حفظه مهنة لذوى العاهات يتآكلون بها، والفقه في علومه حرفة الطوائف الثانوية في المجتمع.. !! ودين يأخذ هذه الطريق في الحياة العامة لا تعلى شارته، ولا تنجح رسالته.. إن إنزال الكبار والصغار على أحكام الدين، وإلزامهم حدوده لا يتم إلا إذا كانت لعلماء الدين ورجال الدعوة مكانة اجتماعية موطدة. لا مكانة الصفوف الأولى في مواكب الجنائز!! ولكن مكانة الصفوف الأولى في إنشاء الحياة، وتوجيه الأحياء. 4- وتجديد الإسلام، وتيسير نفع العالمين به، يقتضى النظر الصائب المرن في اختيار الوسائل العادية التى تحقق أغراضه وتثبت مبادئه.. وأغلب هذه الوسائل من شئون الدنيا التى وكلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علمنا، وترك لنا حرية التصرف فيها. وهذه الشئون تحتاج إلى ذكاء نافذ، وخبرة واسعة.. ثم إن العلم بها ليس وقفا على الأمة الإسلامية وحدها، فإن قارات الأرض مشحونة بأجناس الخلق وهم يحيون فوقها كما نحيا. وقد يتساوون معنا أو يتخلفون في الإحاطة بهذه الشئون الدنيوية. وقد يسبقون دون عائق! فما دام العلم بشئون الدنيا مقترنا بحرية العقل وقدرته على التصرف والابتكار، فلن يتوقف الناس عن الإجادة في هذا المضمار! وما الذى يمنعهم؟ ص _125