الصفحة 118 من 254

وإقحام الدين في هذه المجالات بالحظر والإباحة ضرب من الجنون. وغاية ما ترجوه الإنسانية المهذبة من هذا النشاط الطبيعى أن يسخر حصاده الأخير في الخير لا في الشر. وقد كان المسلمون الأوائل على بصيرة من هذا الأمر فتركوا لطبائعهم- أو طباخ الحياة فيهم وفى غيرهم- أن تبتكر وتجيد. وتوسلوا بما أفادوا في خدمة دينهم دون تكلف.. وأفتى العلماء باتفاق أن إقامة الحرف والصناعات فريضة على المجتمع كله يأثم بتركها، وعلى الأفراد الصالحين لهذه الفنون بمواهبهم ورغائبهم، أن يجودوا فيها، ويخدموا أمتهم ورسالتهم بها.. وصحيح أن لعرب طلعوا على العلم بالإسلام، وكان الناس فقراء إلى العلم به والدخول فيه، لكن العرب ما كان عليهم من حرج أن يتعلموا من الناس أنواع الخبرة التى لم تهدهم إليها مصالح الصحراء، ومجامع البادية. وقد مهروا فيما وقفوا عليه، واستغلوه في نشر الإسلام وحرب أعدائه. من أين لأبناء الرمال صناعة السفن وقيادة الأساطيل وحرب البحار؟"إن العرب بالفطرة الصافية، والانبعاث العادى لخدمة الإسلام، أتقنوا هذا كله ورأوا- دون انتظار نص موجه- أن كتابهم لا يعلو في علم يجهلون شئونه البحرية فعبدوا الله بالسيطرة على الأمواج. يقول ابن خلدون:"كان الروم مهرة في ركوب البحر، والحرب في أساطيله. ولم يكن العرب أول الأمر مهرة في ركوبه، فلما استقر الملك لهم، وشمخ سلطانهم، صارت أم العجم تحت أيديهم، وتقرب كل ذى صنعة إليهم بمبلغ صناعته. فاستخدموا في حاجتهم البحرية كثيرا من هؤلاء، وأنشأوا السفن وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح، وأسسوا دارا لصناعة الآلات البحرية بتونس.. ومنها كان فتح صقلية أيام زيادة الله بن الأغلب على يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا". ثم يقول ابن خلدون:"إن المسلمين تغلبوا على لجة بحر الروم- يعنى البحر الأبيض المتوسط - وإن أساطيلهم سارت فيه جائية وذاهبة من صقلية إلى تونس. ص _127

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت