الصفحة 121 من 254

والمسلمون عندما تزداد خبرتهم بفنون الحياة المختلفة يتجاوبون مع منطق دينهم. وهم لم يهبطوا دون منزلتهم إلا عندما استسلموا للخمول والأوهام. نعم إنه من الضروريات الدينية الماسة أن يبرع المسلمون في الدراسات الكونية ما ظهر منها وما بطن، وأن يسابقوا غيرهم إلى الإحاطة بالمادة، خصائصها وقوانينها، وألا يكون حظهم من فلك الوقوف على ما بلغته البشرية فحسب، بل يجب أن يتحسسوا أبواب المجهول، ويعالجوا إغلاقه حتى تنفتح لهم، ويستأنفوا سنة آبائهم في خدمة المعرفة وكشف الحقائق ونفع الكافة. على أن المهم جعل هذه السيادة العلمية في خدمة المثل السماوية الرفيعة، وتسخيرها لنفع العاملين بوحى الله. فالتقدم العقلى ليس هدفا ذاتيا وإنما هو أداة لقيام الناس بحقوق رب الناس.. ونحن نريد بناء حياتنا على قواعد رسالتنا العتيدة. وألا يخدعنا ما يلقاه الإلحاد من نصر موقوت في بعض الميادين، كما لا يخدعنا ما يقارن التقدم الغربى أحيانا من مذاهب شاردة وآراء فاسدة. ويعجبنى قول الدكتور محمد حسين:"لا يبلغ العرب درجة الأستاذية في هذه العلوم الجديدة- التى أذلهم عدوهم بتفوقه عليهم فيها- إلا إذا أصبحت هذه العلوم ملكا لهم. وهم لا يملكون هذه العلوم ولا يحسون أنها علوم عربية إلا إذا قرأوها بالعربية وكتبوها بالعربية. وسيظلون يحسبون أنهم غرباء عليها، ومتطفلون على أصحابها طالما ظلوا يقرأونها ويكتبونها بغير لغتهم..". كما أشاركه الأسى لانشغال هيئاتنا- بدل ترجمة هذه العلوم- بترجمة بعض الفلسفات والآداب والأفكار التى- إن حسن اختيارها- ما تجىء إلا في المرحلة التالية. قال:"ولو أنصف كل القائمين على الترجمة في هذا البلد- مثل إدارة الثقافة بوزارة التربية ومجلس الآداب وغيرهما- لجعلوا كل همهم مصروفا إلى نقل العلوم التجريبية والرياضية وحدها، لا يشتغلون بترجمة غيرها حتى نستكمل نقصنا فيها. لأن الاشتغال بنقل كتب الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت