فهرس الكتاب
وكيف وجه الأمور لضمان حقوق الناس، وحراسة حقائق الدين.. ثم رأينا كيف تطرق الفساد إلى أداة الحكم، وطغت عليه شهوات الغى والاستعلاء.. لقد تعرضت أمم أخرى لنزوات الساسة المستبدين، وقاست منهم مثل ما قاسينا أو أشد.. واستطاعت أن تخلص منهم بالعزل أو الفتك. ثم وضعت دساتير تنظم العلاقات بين الشعوب والحكام تنظيما يمنع المظالم، ويوصد الأبواب في وجوه لصوص السلطة الذين يثبون على الأمم بين الحين والحين فيملكون زمامها، ويعبثون به كيفما شاء لهم الهوى.. لماذا لا ننتفع بتجارب الآخرين في مضمار تشابهت فيه الآلام، وتوحدت فيه المصالح؟؟ إن هذه الدساتير كسب كبير للإنسانية، وعون واسع لتحقيق ما ينشده الإسلام للشعوب من رعاية، وما يحفظ لهم من حرمات.. ولقد درست هذه الدساتير على اختلافها، فوجدتها أدنى إلى ما وعينا من مثل عليا في ديننا.. ويمكن للمسلمين- على ضوء مشكلاتهم التاريخية الخاصة- أن يستفيدوا من هذه الأصول الدستورية، وأن يضعوا نماذجها نصب أعينهم وهم يرسمون حياتهم السياسية الجديدة.. إن الأمة مصدر السلطة. هى وحدها التى تختار حكامها، وهى التى- إذا شاءت- عزلتهم. وليس لأحد حق إلهى، ولا وصاية عليا على الناس تجعل وجوده السياسى ضربة لازب أو تجعل انقياد الجماهير له فريضة محكمة أو ضريبة لازمة.. إن كانت لشىء ما مكانة دينية فهو الرأى العام الإسلامى الذى إذا أحب كانت محبته آية على رضوان الله، وإذا كره كانت كراهيته آية على سخطه.. والغريب أن هذا الرأى الناضح بمشيئة السماء طالما كبت وأهين. فكم من رجل أحبته الجماهير وتمنت أن يملك أمرها طاح!! وكم من مسلط عليها بالجبروت تود أن تغيب عنها طلعته، فإذا هو أمامها في المساء والصبا!.. ص _136