فهرس الكتاب
هناك ما يدعو إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ البشر.. وسأجتهد أن أكون واقعيا في تصورى للأمور وحكمى عليها.. طبيعة الحضارة الحديثة: إن العالم الآن تسوده حضارة بشرية يانعة، خطا الجنس الإنسانى خطوات فسيحة في ميادين المعرفة، والكشوف، والصناعة. وهو دائب السعى في الاستزادة من تقدمه العلمى، وقدرته على الأشياء وتسخيرها طوع إرادته.. هذه الحضارة- كما وصفتها- بشرية قامت على الطاقة الإنسانية التى شقت طريقها في الحياة بمواهبها الخاصة دون عون من رجال الأديان. من الخطأ- وأقول من الكذب- وصفها بأنها حضارة مسيحية.. لأن هذه الحضارة التى بدأت زحفها من بضعة قرون وجدت أمامها عوائق جبارة من رجال الكنيسة. واشتبكت معهم في قتال مرير، فقدت فيه تضحيات غالية، ثم مشت في طريقها الحر بعدما كسبت المعركة. على أن الصلة مفقودة بين طبيعة الدين المسيحى، وبداهة العقل الإنسانى.. ولذلك سلخ هذا الدين خمسة عشر قرنا من عمره، وهو معزول عن النشاط العلمى المجرد، والنظرات المطلقة إلى الكون والحياة.. ومن الخطأ كذلك وصف هذه الحضارة بأنها إسلامية، وإن كانت البذور التى أنتجتها من عمل العقل الإنسانى الذى أدمن النظر- بإرشاد القرآن- في كتاب الكون المفتوح، والذى نال من تعاليم الإسلام حرية مفرطة في البحث والتأمل. .. وذلك لأن المسلمين الذين أسدوا للعالم هذه الطلائع خانوا رسالتهم، ووقفوا منها موقف الجهل تارة والجحود تارة أخرى. ومازال التفريط يتمادى بهم حتى سقطوا فريسة العلل التى أهلكت غيرهم.. ص _143