الصفحة 145 من 254

ومات في قلب الصليبى ذلك الحافز الروحى الذى كان يحفزه على خوض الحروب ولا مطمع له فيها غير نصرة المسيحية. مات ذلك الحافز وتبدل بحوافز مادية لا تتصل بالروح، وإنما تتصل بالغنائم والأسلاب التى أصبح الأمل فيها هو الباعث الوحيد على انخراط الصليبى في تلك الحملات. ولم ينس لويس التاسع- في هذا الصدد- مواقف مندوب البابا، وحرصه الدائم على الفوز للكنيسة بأكبر نصيب من غنائم الحروب الصليبية وأسلابها. ولم ينس كذلك نفور بعض الشخصيات الصليبية الصالحة من هذا المسلك لرجل الدين، وثورتهم عليه، ودمغهم إياه بالخروج على التعاليم المسيحية، ووصفهم لهذا التنازع المادى بأنه عمل يفقد المسيحيين عطف الرب لأنه تنازع من أجل الغنائم والمادة، لا من أجل الرب. واستقر رأى لويس التاسع على أن هزيمة الصليبيين في مصر قد حطمت معنويات أمراء الفرنجة المستوطنين للساحل السورى. وتبين له أخيرا أن"فينيسيا"و"جنوا"و"بيزا"تلك التى زودته بأساطيلها لنقل حملته قد مالت أخيرا إلى التخلى عنه.. وبوحى من هذا العرض الزاخر بالعبر والأحداث والتجارب التى كانت تطوف برأس لويس التاسع في سجنه بالمنصورة، رأى أن القضاء على الإسلام أو- على الأقل- وقف توسعه عند حد وهو هدف حيوى بالنسبة لفرنسا وأوروبا لا يمكن تحقيقه إلا بتكتل مسيحيى الشرق أولا وقبل كل شىء. ثم توحيد صفوفهم تحت زعامة الغرب. وتساءل لويس: هل في وسمع المسيحية أن تواصل وحدها الاضطلاع بمحاربة الإسلام. وعلى ضوء تجاربه كان جوابه على تساؤله هذا: هو أنه لم يعد في وسع الكنيسة أو فرنسا وحدها مواجهة الإسلام، وأن هذا العبء، لابد من أن تضطلع به أوروبا جميعها لتضيق الخناق على الإسلام، وتقضى عليه، فيتم لها التخلص من هذا الحائل الذى يحول دون تملكها لآسيا وإفريقيا. ص _154

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت