فهرس الكتاب
وبعبارة أخرى أن تحكم الأمة نفسها بنفسها، لا أن يحكمها السلطان بإرادته ونوازعه والمقربين إليه الذين يخدمون أغراضه ومصالحهم.. وكل عاقل يرى أن الأمم الأوروبية مرت بهذا الدور الذى تمر به الدولة العثمانية. ولم ينقذها إلا الحرية.. فهى التى تربى الأمم، وتحيى النفوس، وترد للمرء حقوقه، وتشعره بشخصيته، وتضمن له العدل. والحرية هى التى تولد الدستور الذى يبث الطمأنينة بين أفراد الأمة، ويسوى بين الأفراد على اختلاف دينها وعناصرها، فيؤلف بين قلوبها.. وهو الذى يتيح الفرص لكل كفء قاثر، ويسد الطريق أمام كل دساس ماكر"لقد كان الإسلام أسبق رسالة عالمية لتحرير الإنسان، وتوطيد حقوقه، ورفع هامته، فما يحني صلبه إلا راكعا لله الذى خلقه فسواه.. وكان الإسلام أسبق رسالة عالمية لرعاية الجماهير، ومنع التفاوت المصطنع بين طوائفهم، وإشاعة نعمة الله في بيوتهم، وتوفير الطمأنينة الكاملة لهم ولذراريهم.. وإذا كانت المثل الرفيعة تستبعد من الحياة العملية لسوء موقف أصحابها منها، فإن الأوروبيين لهم تاريخ منتن لو نظرنا على ضوئه إلى المبادئ التى يرددونها لاستبعدناها جملة وتفصيلا.. ومبادئ الإسلام لا يشينها تقصير عصابة من الحكام في تطبيقها، أو هبوطهم دون مستواها. فلا تزال هذه المبادئ المعصومة كافلة للخير الكثير. ولا يزال البناء عليها وحدها مضمون السلامة والبقاء. وقد ثاب الأستاذ أحمد أمين إلى الحق، وبنى على قواعد الإسلام البناء الواجب عندما قال شارحا الإصلاح الدستورى الذى دعا إليه مدحت باشا:"إن الشورى الإسلامية نظمت في العصر الحديث بما يسميه الأوروبيون"البرلمان"". ص _166"