فهرس الكتاب
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تشكل في المدنية الحديثة بحرية الصحف في النقد، وحرية الأفراد والجماعات في التأليف وإبداء الآراء في صراحة، يستحسنون ما يرون، ويستنكرون ما يرون، ويخطبون كما يشاءون... فلا أحد معصوم، ولا الحكومة معصومة، ولا الوالى معصوم. وإنما الذى يقومهم، ويخيفهم، ويلزمهم الجادة يقظة الرأى العام وحريته في النقد. وهذا هو ما سمى في القرآن: بالتواصى بالحق والتواصى بالصبر. كل هذا واضح جلى ولابد منه. ولكن إرادة السلطان عبد العزيز هى الصخرة التى تتكسر عندها كل هذه الآراء. أرض الدولة العثمانية أخصب أرض في العالم، وهى مع ذلك أفقر أرض لهجرة كثير من أهلها بالظلم. وإثقال كاهل من بقى بالضرائب. ولا شركات، ولا مصانع، فالقطن كثير في البلاد، ومع هذا فالأقمشة القطنية تجلب من أوروبا. حتى الطرابيش التى نضعها على رءوسنا، وعلب الكبريت التى نشعل بها نيراننا نجلبها من الخارج. وكل المواد الأساسية متوفرة عندنا، ولكن لا عدل، ولا أمن على المال، فلا شركات ولا صناعات. ولا يتأثر العدل إلا بالقوانين العادلة، والمحاكم العادلة، وهذه لا تكون إلا بالحرية أى الدستور. كل من جاهر بالإصلاح أبعد، ففؤاد باشا مات محتقرا مهينا، وغالى باشا دست له الدسائس حتى عزل من منصبه وهما ما هما في الكفاية والاستقامة... وإنما يقرب أمثال محمود النديم الشره الجاهل الذى يقدم مال الدولة للسلطان، ثم ينتهب لنفسه ما نالته يده". هذا الكلام عامر بالصدق. والمسلمون في كل مكان بحاجة إلى استبطان معانيه ومراميه..!! ص _167"