فهرس الكتاب
وشىء آخر له خطره. إن أموال الأمة للأمة، لا لجبار ينفق كيف يشاء في ملاذه ورغباته أو على آرائه وسياسياته . فلا يجوز أن تفرض ضريبة على الناس، ولا أن ينفق درهم من هذه الضرائب المجموعة إلا في نطاق الصالح العام. ودماء الناس وكراماتهم لها قداستها. فليس يجوز لبشر علا، أو دنا، أن يتعرض لها بالباطل. إن الاستعمار الداخلى هو الذى مهد للاستعمار الخارجى. والفوضى التى ضربت رواقها على كل شىء، هى التى أتاحت للغزاة أن يجتاحوا الحدود، ويجوسوا خلال الديار، ويقتسموا بينهم الأرض الإسلامية كلها، فما نجا من ضرهم في أفريقيا وآسيا شىء يذكر...!!! إن الأقطار الإسلامية أحوج شىء في الأرض إلى فيضانات متعاقبة من الحريات النبيلة تغسل تربتها مثنى وثلاث، وتنقيها من رواسب الحكم المطلق، والإهدار الكفور لحقوق الناس!! لقد كان أمير المؤمنين قديما رجلا من خيرة المؤمنين إن لم يكن خيرتهم على الإطلاق. يتولى الأمور أجيرا للمسلمين، على مال محدد، يأخذه لقاء عمله لهم.. وهو فيما يفعل ويترك تحت رقابتهم، ينقدونه بملء الحرية ولا يقطع دونهم أمرا...!!! فكيف ماتت الشورى؟ وبادت تلك الرقابة؟ وأمسى أمر الأمة في يد رجل واحد تافه يرى أبناءها وأموالها إرثا له أو لأسرته. لقد عانى المسلمون- خصوصا الأجيال المتأخرة- ويلات شتى من هذا الفساد... ومن الخير أن يقر- دون مراء أو مواربة- بأن الدساتير التى هديت إليها شعوب الغرب أخيرا تتضمن نماذج حسنة لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأنها ثمرة تجارب مريرة تشبه التجارب التى مررنا بها إلى حد ما. ص _182