الصفحة 186 من 254

ولم تبق الأمور طويلا حتى قامت ثورة جائحة أكرهت الخليفة على قبول الدستور الذى طالما رفضه هو وأسلافه. ويظهر أن هذا القبول كان على مضض فلم يجد الثوار بدا من خلعه! ولا شك أن الثورة كانت ترجمة صحيحة لإحساس السخط العام على الحكم الاستبدادى الطائش. بيد أن جماهير المؤمنين التى أملت في أزالة هذا النوع من الحكم كانت تريد إصلاحا لما فسد من شئون الأمة وإقامة لما تعطل من أحكام الدين وتنشيطا لما خمد من همم المخلصين.. وما دار في خلد أحد أبدا إلا أن الثورة غضبة للإسلام الذى تاجر الخلفاء باسمه ولم يلتزموا هداه، وأنها ستبرز إلى الوجود المشروعات القيمة التى فكر فيها مدحت باشا وأعجزه السلاطين العميان عن إنفاذها وأنها ستجدد شباب الإسلام وترد مطامع أعدائه. هكذا استقبل المسلمون في آسيا وإفريقيا وأوروبا الثورة التى قام بها أعضاء (جمعية الاتحاد والترقى) وفى طليعتهم"أنور ونيازى وشوكت". وعلى هذا الأساس عاضدوها وأعانوها على إسقاط السلطان وفتح البرلمان.. يقول الأستاذ محمد ضياء الدين الريس: لا كان فرح الناس- ولا سيما الأحرار- بنجاح هذه الثورة عظيما فانبعثت الآمال وتطلع الجميع لمستقبل زاهر وعهد مشرق من الإصلاح. ولم يكن فرح العرب بأقل من فرح الترك أنفسهم بزوال فلك الحكم الفردى المستبد. وكان لكلمة الدستور أثر السحر في قلب كل إنسان ظن أنه بمجىء الدستور سيقضى على كل فشاد ويبدأ كل صلاح. نعم، ظن الناس في الشام والعراق والحجاز وغيرها أن دولة إسلامية فتية جديدة قد بدأ عهدها. وأن اتحادا وثيقا بين كل الأقطار التى يتكون منها الشرق الإسلامى الأوسط بما فيه تركيا- قد طلع نهاره.. وإذا أردنا أن نأخذ صورة من هذا الفرح الغامر الذى شمل كل قلب فلنصغ إلى بعض ما قال حافظ وشوقى من شعراء مصر إشادة بالعهد الجديد وتحية لرجاله"ص _196"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت