الصفحة 192 من 254

ومن هنا نلمح سفيرهم إلى جانب الخديوى توفيق يشد أزره كى يرفض مطالب الشعب، ويشترك معه في مجادلة القائد الباسل الذى ضاق ذرعا بالاستبداد والجور، وذلك في ساحة"عابدين"..! والمرء يشعر بالعجب لمسلك هذا الإنجليزى المتطفل السمج !! ترى لو أن السفير الإنجليزى في باريس انضم إلى جانب الملك لويس ضد رجال الثورة وحاول إقناعهم بالحسنى أو بالشدة أن يتراجعوا في مطالبهم وأن يدعوا هذه الشعارات التى جاءوا بها أكان يترك حيا؟ كلا، كان سيقتل. ويذهب دمه هدرا، ما يجرؤ أحد على ذكره.. وكان الفرنسيون يمضون في طريقهم محققين أهداف ثورتهم دون أن يشعروا إلا أن كلبا عوى يعترض حقهم في الحياة فأخرس إلى الأبد. لكن السفير الإنجليزى في مصر يعترض حق أمة مسلمة في الحياة، وهذا- في منطق الصليبية- عمل مشروع. ولو أن أحدا مسه بسوء لقالوا: يسوع قتل مرة أخرى، ولن ترضى السماء فداء له إلا قتل أمة بأسرها؟؟ ولم الافتراض؟ إن حمارا (بتشديد الميم) مالطيا أحدث بعض الشغب، وناله بعض الأدب كان السبب المباشر لضرب الإسكندرية بقذائف الأسطول. وكان بداية الطريق المشئوم للاحتلال الإنجليزى المبيت. وعرابى- مهما كان مخلصا قويا- أعجز عن مقاومة القوى الكثيرة التى كادت له في الداخل، وهجمت عليه من الخارج. ولكننا لا نزال ننظر بإعزاز وتكريم للمبادئ التى ناصرها. والتى جادل في ساحة عابدين عنها.. وفشلت الثورة العرابية. ودخل الإنجليز مصر، وما لبثوا حتى أضاعوا السودان، ووضعوا سياسة فصله عن دولة النيل الكبرى، ثم ضاعت أوغندة، وتبعتها إرتيريا، واطمأنت الصليبية إلى موت هذه الدولة الكبرى قبل أن تولد، ولعق الإسلام مرارة هذه الهزيمة في سكون!!.. وفى آسيا كان المسلمون ينافحون عن وجودهم، ويدأبون على تثبيته، ويقاومون إنجلترا في الهند، وهولندا في جاوة كى يتخلصوا منهما. ص _202

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت