فهرس الكتاب
واجتهد عامتهم في أن يقوموا بواجبات الحاكم المسلم، فكان الخليفة يؤم الناس في الصلاة الجامعة، ويخطبهم، ويحج بوفودهم، ويقود الجيوش لمقاتلة أعداء الإسلام! وكانوا يبدون الغيرة على شارات الإسلام، ويوصون بنشر العلم، ويحتفون برجالاته. والمعروف أن مالكا ألف كتابه"الموطأ"بتوصية من"أبى جعفر المنصور"كى يبصر الجمهور بالفقه الإسلامى... وكان يريد جمع الناس عليه لولا أن مالكا- لرسوخ قدمه في الدين- رأى أن يدع الناس يختارون لأنفسهم ما يشاءون من مذاهب الفقه.. وانظر إلى"هارون الرشيد"كيف يزكى"أبا حنيفة"وهو يعلم رأيه في دولة بنى العباس، ورفضه أن يتولى لهم القضاء. فقد سأل الرشيد"أبا يوسف"قاضى القضاة في عهده: صف لى أخلاق أبى حنيفة، فقال:"كان والله شديد الدفاع عن حرمات الله، مجانبا لأهل الدنيا، طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهذارا ولا ثرثارا، إن سئل عن مسألة كان له فيها علم أجاب، وما علمته- يا أمير المؤمنين- إلا صائنا لنفسه ودينه، مشتغلا بنفسه عن الناس، لا يذكر أحدا إلا بخير". فقال الرشيد:"هذه أخلاق الصالحين". وهؤلاء الرؤساء الذين سموا أنفسهم أمراء المؤمنين، والذين أحبوا أن يشرفوها بصفة الخلافة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت جمهرتهم بين قوى في خدمة الإسلام، أو مقتصد، أو كليل الذهن واليد.. لكن يستحيل أن يعطل أحدهم حدا أو قصاصا، أو يجحد فريضة، أو يستهين بشعيرة.. الإسلام في أيامهم دين الفرد والمجتمع والدولة.. وإذا كان علماء الدين يرون حرجا في الاعتراف بصحة الطريقة التى وصل بها أولئك الخلفاء إلى الحكم، فإن هؤلاء العلماء لا يسعهم إلا معاونة هؤلاء في عزمهم على خدمة الإسلام واستقتالهم في رفعة شأنه وحياطة أمره.. يقول مالك بن أنس:"والله ما دخلت على أحد من هؤلاء السلاطين إلا أذهب الله هيبته من قلبى حتى أقول له الحق"!! ص _054