فهرس الكتاب
فما عذر المسلمين الأوائل أن يصنعوا بأنفسهم وإيمانهم ذلك؟! والجواب نسوقه إليك مما نرى من وقائع عصرنا الحاضر.. لقد شاع الكلام في كل ناحية عن حقوق الإنسان وحريات الشعوب، وأصبح الحاكم في الشرق والغرب مطالبا بتقديم حساب عسير عن تصرفاته كلها.. واختفت وراثة الملك من بلاد كثيرة. ومع ذلك فإن النظام الملكى في إنجلترا والسويد مثلا من أرسخ أنظمة الحكم في العالم.. بل إننا نستطيع القول في إطلاق وأمان: أن النظام الملكى في إنجلترا أرعى للحرمات وأحفظ للحريات من النظام الجمهورى في روسيا.. إن العبرة ليست في العنوان الظاهر، ولكن في الحقيقة القائمة.. والإنجليز في بلادهم لا يشعرون بذرة من القلق على كرامة الفرد ولا على مكانة الوطن من بقاء النظام الملكى بين ربوعهم... وهم الآن يدينون بالولاء لامرأة تحمل على مفرقها الجميل تاج أعرق إمبراطورية في العصر الحديث!! ما السر في استقرار هذا الوضع؟ السر أن النظام الملكى هناك تجاوب مع جميع المثل الرفيعة التى ينشدها الإنجليز لأنفسهم وبلادهم، فلم ير القوم ضرورة للتخلص منه. ولو أن هذا النظام نقصهم أى حرية من الحريات التى يتمتع بها الأمريكيون أو الفرنسيون في ظل نظمهم الجمهورية لرموا به فورا في أعماق البحار المحيطة بجزيرتهم!!. والمسلمون الأقدمون استكانت كثرتهم لنظام توارث الخلافة مع أنه دخيل على الإسلام، لأن الخلفاء- الذين اجتازوا هذا المنصب- أظهروا عزما مبينا على الحكم بالإسلام في كل دقيقة وجليلة من الشئون العامة والخاصة. وقد حملوا الراية بالفعل، وجعلوا شرفهم، ومناط اللواء لهم، بمدى بلائهم في خدمة الإسلام، واستبسالهم في نصرته... وقد رأينا"الحسين بن على"- وهو أحق بالخلافة من"يزيد ابن معاوية"- يعرض بعد فشل ثورته أن يوجه لمحاربة الروم مع الجيوش الإسلامية التى كانت تقاتلهم في ظل الحكم الأموى... ص _056