الصفحة 50 من 254

وهذا مسلك ارتضاه كثير من الأتقياء. فهم- مع انحرافهم النفسى عن شخص الحاكم- يرون السبل لمرضاة الله ميسرة لهم في سلطانه، إما بالجهاد العسكرى وإما بالجهاد العلمى.. والحكام المسلمون- سواء كانوا أمويين أو عباسيين أم عثمانيين- كانوا على أى حال محكومين بتعاليم الإسلام التى لا ريب فيها.. ومرتكبو السيئات منهم كانوا يرتكبونها فرادى أخفياء. وهيهات هيهات أن يجرؤ أحدهم على تحليل محرم أو تحريم حلال. إن العنوان القديم قد تكون تحته حقائق ناضرة، ومسالك لا تبلى جذتها فملك"الدانمارك"مثلا يذهب إلى عمله ممتطيا صهوة جواده، أو راكبا دراجة عادية، دون مواكب ولا مهرجانات من هذا النوع الذى يحف أغلب الرؤساء، كما يذهب أولاده إلى مدارسهم في عربة عامة تضم معهم صبية الحى الذى يقع القصر الملكى قيه. وقد شعرت بقدر غير قليل من العجب والدهش عندما طالعت في أخبار 11/12/1963 صورة مستر"ماكميلان"يقف وسط صف من العمال والموظفين في انتظار"الأوتوبيس"ليعود إلى منزله. وكانت وقفته ناطقة بأنه لا يزيد ولا ينقص عن الرجال والنساء الذين تقدموه أو الذين أخذوا دورهم وراءه في نظام وأدب.. !! ومستر"ماكميلان"، كان رئيس وزراء إنجلترا، ورئيس حزب المحافظين، أعنى كان حاكم إنجلترا باسم الحزب الذى ليس له أى طابع اشتراكى!! إن شعوب أوروبا التى استبقت النظم الملكية بها، لم تفعل ذلك تفريطا في كرامتها المادية والأدبية، وإنما فعلت ذلك لأن ملوكها- من تلقاء أنفسهم- تبنوا ما تهفوا إليه الشعوب من حريات موطدة، وحقوق مصونة، فإذا الأحوال في هذه البلاد أرقى كثيرا من جمهوريات أخرى. ومن ثم، فمن الخطأ حسبان المسلمين الأوائل فرطوا في الإسلام كله لأنهم تركوا شكل الحكم يأخذ طابع"توارث الخلافة"فى هذه الأسرة أو تلك. ص _057

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت