فهرس الكتاب
ولا بأس من أن أذكر نماذج للسلوك الذى سار عليه ملوك المسلمين مع رعاياهم، ليعرف الناس حقيقة العلاقة التى تجمع بين الحاكم والمحكوم. ولست أدعى أن هذه النماذج صورة أمينة لسياسة الملوك في كل زمان ومكان، كلا، إنها صور حدثت في عهود شتى وفى أسر كثيرة، وتوجد صور أخرى مناقضة. ولكنى تخيرت قصصا من حياة أناس ما كان يرتقب منهم هذا النبل العظيم. كان"أبو بكر المحلى"يتولى نفقات أبى المسك كافور الإخشيد، وكان له في كل عيد أضحى عادة، هى أن يسلم إلى"أبى بكر"بغلا محملا ذهبا، وجريدة تتضمن أسماء قوم من حد القرافة إلى الجبانة وما بينهما. قال أبو بكر المذكور:"وكان يمشى معى صاحب الشرطة ونقيب يعرف المنازل، وأطوف من بعد العشاء الأخيرة إلى آخر الليل، حتى أسلم ذلك إلى من تضمنت اسمه الجريدة، فأطرق منزل كل إنسان ما بين رجل وامرأة وأقول:"الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيدى يهنئك بالعيد ويقول لك:"اصرف هذا في منفعتك"وأدفع إليه ما جعل له. وفى آخر وقت زاد كافور في الجريدة اسم الشيخ أبى عبد الله ابن جابار، وجعل له في ذلك العيد مائة دينار. فطفت في تلك الليلة، وأنفقت المال في أربابه، لم تبق إلا صرة ابن جابار، فجعلتها في كمى، وسرت مع النقيب، حتى أتينا منزله بظاهر القرافة، فطرقت الباب، فنزل إلينا الشيخ وعليه أثر السهر. فسلمت عليه، فلم يرد على، وقال:"ما حاجتك؟"قلت:"الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام". فقال:"والى بلدنا؟"قلت:"نعم". قال: حفظه الله! الله يعلم أنى أدعو له في الخلوات، وأدبار الصلوات بما الله سامعه ومستجيبه. قلت: وقد أنفذ معى نفقة وهى هذه الصرة، ويسألك قبولها لتصرف في مئونة هذا العيد المبارك.. فقال: نحن رعيته، ونحبه في الله- تعالى-، وما نفسد هذه المحبة بعلة!! فراجعته القول فتبين لى الضجر في وجهه والقلق..!! ص _058