فهرس الكتاب
قال:"قد فعلت". قال:"فإنى أبدأ بالعامة أولا، ليصلح المجلس للقضاء". قال:"افعل". ففتح الباب، وقعد في ناحية، وأذن للعامة. ثم دعا بالرجل المتظلم، فقال له يحيى:"ما تقول؟"قال:"أقول أن تدعو بخصمى أمير المؤمنين المأمون". فنادى المنادى، فإذا المأمون قد خرج ومعه غلام يحمل مصلى، حتى وقف على يحيى وهو جالس، فقال له:"اجلس". فطرح المصلى ليجلس عليها فقال له يحيى:"يا أمير المؤمنين، لا تأخذ على خصمك شرف المجلس". فطرح للخصم مصلى آخر، ثم نظر في دعوى الرجل. وطالب المأمون باليمين فحلف. ووثب يحيى بعد فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه. فقال له المأمون:"ما أقامك؟"فقال:"إنى كنت في حق الله عز وجل حتى أخذته منك، وليس الآن من حقى أن أتصدر عليك". ولست بهذا الكلام أدافع عن النظام الملكى، أو ارتضى توارث الخلافة الذى وقع في الأمة الإسلامية أعصارا طويلة، أو أقر بسياسة عدد من الخلفاء الذين جاروا عن الطريق.. إنما أريد توكيد الجو الإسلامى الذى عاشت فيه الأمة هذه القرون المتطاولة، وأن أنفى ما يشاع من أن الإسلام عاش حقبة من الدهر لا تعدو أيام الخلفاء الراشدين، ثم سارت أمور الناس- بعد- على غير دين وسارت حكوماتهم على غير شريعة..!! نتائج مرفوضة!! على أن لنظام توارث الحكم- الذى ساد للأسف بين المسلمين وغير المسلمين، وكان طبيعة للعصور الخالية- هذا النظام أفضى إلى سيئات كثيرة، وأصاب الرسالة الإسلامية بمعاطب شتى.. إن قياد الأمم يجب أن يكون في أرشد أبنائها، وأقدرهم على حمل الأثقال، والنهوض بالمسئوليات الجسام.. ص _061