الصفحة 56 من 254

وقد رأيت في تجربتى الخاصة ألوفا من الناس لا تنقصهم المهارة في علوم الدين، ولا البراعة في شئون الدنيا، يشتغلون مع شتى الأحزاب والحكومات، ويفلسفون الأوضاع التى يوضعون فيها، ويؤدون الأعمال التى يكلفون بها، فيأخذون الأجور التى كتبت لهم، ويجزعون كل الجزع من الحديث في السياسة العليا. وهذا الجيش من طلاب العيش الهادئ في ظل الحكم القائم- أى حكم كان- لا يعيبه أن يجد راحة الضمير فيما يرى من مراسم الدين وصوره العامة. وقد بقيت الدولة الإسلامية على هذه الحال، ثم ظلت تنوء بعللها يوما بعد يوم حتى غربت شمسها آخر الأمر. * * * وقد نشأ عن فساد الطريقة التى يختار بها الحاكم الإسلامى عدة أمور. فالمعروف أن الإسلام رسالة عالمية، وأن خلفاء الرسول الراشدين كانوا يدركون أن تعميم الرسالة من صميم وظائفهم. لكن الملوك الذين أتوا من بعد لم يرسموا خطة واضحة معقولة لنشر الإسلام، ولم يهتموا بتكوين الدعاة الذين يحملون تعاليم الإسلام لمن يجهلها من شعوب الأرض الأخرى. مع أن ذلك كان يحتاج إلى إدارات، بل إلى وزارات لمعرفة اللغات الأجنبية، وأحوال الأمم القريبة والبعيدة، واستكشاف الأقطار المجهولة، وتوثيق الصلات بها.. إلخ. ولو أن الحاكم كان رجل دعوة ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبلاغ رسالته لاتجه بسياسة البلاد التعليمية والتوجيهية هذه الوجهة، وعنى بها أوسع العناية. أما وهو ملك تغلب عليه مشاعر الحفاظ على سلطته، فحسبه ما تيسر من صلة بالدين!! وأعقب هذا الجمود أن السياسة الإسلامية الرسمية في عصور كثيرة كانت خلوا من الإحساس بعالمية الرسالة وعموم الدعوة. وما لنا نذهب بعيدا؟ إن الثقافة الإسلامية نفسها في داخل الأمة الإسلامية لم تحظ بالاهتمام الواجب. ص _063

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت