الصفحة 57 من 254

فلو أن الحاكم فقيه واسع الاطلاع، حديد البصر، لأمر بتنقية الجو العلمى الديني من خرافات كثيرة شانته وأزرت به.. وإدارة واحدة للرقابة على المطبوعات كانت ستحكم بإعدام كتب كثيرة تشيع بين العوام، وتحذف سطورا، أو صحائف من كتب أخرى تخوض في أمهات القضايا الدينية، ويتربى الألوف من الناس على ما بها من الخلط. لقد ضرب عمر بن الخطاب"أبا هريرة"لما رآه يعلم الناس- بغير تبصر- حديث:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"، وخشى عليهم أن يتكاسلوا ويتواكلوا. لكن جماهير المسلمين في قرون شتى شاعت بينها تعاليم ينكرها الأئمة باتفاق، ويراها العلماء انحرافا عن الجادة. والحاكم- لأنه شخص جهول- لا يعير ذلك انتباها. ونحن بداهة لا نحارب حرية الفكر، وإنما نحارب الدجل والهدم، والجراثيم التى تقتل الفكر وتشل الإنتاج. إن الدولة التى تقوم على فكرة ما، يختار لرياستها أقدر الناس على دعم هذه الفكرة في الداخل، ونشرها في الخارج. ورعايا الدولة وأولو الأمر فيها مكلفون- بحكم إخلاصهم لفكرتهم- أن يتواصوا بتقديم هذا الكفء. لكن مناصب الإمارة والوزارة تربع فيها من لا ترفعهم مواهبهم إليها. وإذا كان هؤلاء المؤمرون والمستوزرون أهل صلاة وصيام، أو كانوا يرون أنفسهم قادرين على حمل الراية، لأن الحظوظ واتتهم، فذلك زعم لا يغير من الواقع ونتائجه المريرة شيئا.. إن كثرة من أفراد الأسرة الحاكمة في الدول الكبرى الثلاث: الأموية، والعباسية، والعثمانية، والدول الصغرى الأخرى في الهند، ومصر، والمغرب، لم يكونوا أليق الناس لمناصبهم.. ص _064

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت