فهرس الكتاب
وفى هذه المساجد ازدهرت المدارس الفقهية الكبرى في الإسلام. ومعروف أن الأئمة الأربعة كانوا رجالا متطوعين بالتعليم، ولم يكونوا موظفين يتقاضون عليه من الدولة أجرا.. بل المأثور عن جمهرة الأئمة أنه كانت بينهم وبين الحكام وحشة! ومنهم من مات في السجن وهو يحارب البدع والخرافات ، ويستنكر الجور والانحرافات، ولا ننوه هنا بأسماء الأعلام الذين استفاضت شهرتهم. إنما ننوه بالجنود المجهولين من أهل العلم الذين انتشروا في المشارق والمغارب، وانبثوا في المدائن والقرى يكتبون ويدرسون، ويبلون أبصارهم في المطالعة، وأعصابهم في التربية والتهذيب. هؤلاء هم الذين حفظوا الإسلام، ونقلوه من جيل إلى جيل، ومن سلف إلى خلف، وهؤلاء هم الذين انتصروا يوم انكسرت الدولة وسقطت الخلافة الإسلامية في بغداد. نعم هم الذين انتصروا، لأنهم استبقوا بجهودهم المتلاحقة. تراث الإسلام، وظلوا دائبين على نشره، وأخذ الناس به، ودعم المجتمع المنكوب بمعانيه.. فإذا التتار- الذين قضوا على الدولة العليلة- يرون مجتمعا لا يزال متماسكا بالعقيدة السمحة، متجمعا على عباداته السهلة، مترابطا بشرائع الأدب النابعة من كتابه وسنته، متنزها عن كبائر الإثم والفواحش.. فلم يسع التتار بعد أمد من انتصارهم إلا أن يتحولوا إلى الدين الذى هزموا حكومته ولم يهزموا طبيعته..!! ودخلوا افى الإسلام بعد أن حاربوه، وأسقطوا عواصمه..!! وأصبحت سيوفهم معه لا عليه. وسر هذا التحول هو التفوق الأدبى- لا العسكرى- للمسلمين. في الميدان الاجتماعى: وفى المجتمع سدت تعاليم الإسلام كل فراغ يمكن أن تتسرب إليه المبادئ الاقتصادية الهدامة، وفلسفتها المادية الكفور.. ص _068