فهرس الكتاب
واستحقت الخلود والتقديم لقيامها عليها. الخير والشر صفات ذاتية للناس، لكن المسلم لا يكفيه أن يكون خيرا ليكمل وينجو، بل لابد أن ينتقل هذا الخير إلى المجتمع الذى يحيا فيه. فإذا أتم بناءه ورفع لواءه انتصب محاميا عنه وانشغل بحراسته وجعل صيانته من كرامته الخاصة والدفاع عنه دفاعا عن عرضه. وأخيرا يرى الموت في سبيل بقائه الشهادة التى ترفعه إلى عليين. وهو يترك الشر، غير أن ذلك لا يكفى في تمام يقينه وصدق إيمانه، إنه يستهدف محو الشر من المجتمع حوله ويجأر باستنكاره إن رأى بوادره ويشتبك معه إذا كلح وجهه. فإذا أبى الفساد إلا الإصرار على انطلاقه دخل معه في صراع حياة أو موت وهو كاسب على الحالين. إن انتصر في المعركة أو لقى الله مضرجا يدمه دون أن تنتهك حرماته وتداس شعائره. هذه طبيعة الإسلام وذاك سر الخلود في رسالة أمته وأساس الفضل والرجحان الذى نطقت به الآية الكريمة: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) . ومنازل المسلمين من الدين ومكانتهم في أنفسهم وعند الله بقدر ما يحرزون من هذه الخصائص اللامعة. والذين يتدبرون مهالك الأمم وفناء الحضارات يحكمون بأن من رحمة الله بالعالم إخراج أمة تتعلق بإحقاق الحق وإبطال الباطل على هذا النحو الراسخ. فإن الحياة لم تعتل لجهل الناس بالخير والشر قدر ما اعتلت لترك الخير يخذل ويتوارى أصحابه، وترك الشر يستعلن ويطغى زبانيته. وقضايا العالم الكبرى الآن مثل هذا العوج المقبوح. فكم من شعب ترك فريسة للضيم لا لغموض في شكاته، أو خفوت في استغاثته، ولكن صوت الهوى أعلى ولسانه بالأذى أحد. ص _075